Wednesday, March 21, 2012

تعليقات - مارس 2012


هذه مجموعة من تعليقات كتبتها الأسبوع الماضي خلال دردشات إلكترونية ، ضمن حالة قد تبدو كأنها التقاط أنفاس قبل جولة انتخابات الرئاسة المصرية، لكن تحت السطح توقعات وآمال كبرى تعيش حالة الخوف من ارتطامها بحقيقة ما فعلته الأطماع في الثورة، وما نصبته التحالفات من شباك لسرقة آمال الأجيال الصاعدة، وهو ما سيكون مصدراً هائلاً للضغط على أية سلطة تدعي شرعيتها؛ الشرعية الآن معلقة في الهواء، لا يمسك بها أحد، ولن يستطيع، فمصدر الشرعية أصبح الشعب نفسه، وليس أكاذيب الإعلام المأجور، ولا فتاوى المتسترين بالدين.
قد تبدو الشرعية عصية على الفهم، حتى للجموع التي تمنحها، لماذا تقبل هذا وترفض ذاك، لكن المؤكد أن القلق الشديد الذي أصاب الإنسان المصري بعدما أدرك أنه مانح الشرعية، وليس من يتم تلقينه عبارات رسمية حولها، هذا القلق أغلق الباب نهائياً أمام سحب الشرعية منه مرة أخرى؛ فكرة العودة لما قبل تعني الانتحار.
هذه بعض الدردشات في أجواء الترقب:
"سياسة صفوت الشريف الإعلامية لم تتغير: تتويه الرأي العام عن الأمور الأساسية، إثارة أمور تافهة تحرك الغرائز أو النعرات أو التعصب، مسخ الأمور والقضايا وخلق رموز ومشاهير ممسوخين لتشويه معايير القيمة والرقي، والإيهام بالتدهور الحاد في الأمور والأوضاع للقبول بالحد الأدنى.... هي نفس السياسة من توفيق عكاشة لشوبير للإبراشي للمرشحين المزيفين لمنصب الرئاسة لشيوخ الإثارة من إرضاع الكبير إلى كل ما نشاهده في البرلمان من "إرضاع" البلكيمي والمواقع الإباحية ومنع تعليم الإنجليزية.. حتى مسمى النظام السابق جزء من الإيهام.. بصراحة مفيش نظام سابق هو هو نفس النظام، بس المعارضة الحقيقية خرجت من صمتها وأحرجت المعارضة المزيفة".
"حاليا بنعيش مرحلة دخول الباعة الجائلين للفيسبوك، ودول غير اللجنة الإلكترونية، يعني مهمتهم تتويه الأمور وتسخيف القضايا وشغل الناس بقضايا تثير التعصب.. سكتنا طويلة، لأن السياسة دي عمرها قصير.. المكاسب لن تكفي كل الإسلاميين.. خاصة إن التكاليف بتاعتهم (معنويا وماديا) كبيرة قوي.. وخروج المحبوسين بالمحاكمات العسكرية حيتواصل.. وإحباط الناس العادية من عدم تحسن الأوضاع حيبقى كبير خاصة إنهم منتظرين وعندهم توقعات كبيرة من موضوع الرياسة بعد ما أخدوا صابونة في البرلمان.. ولسه، حاجات تانية كتير منها إن تجمعات الثوار بتترسخ بتاخد مزيد من الثقة بالنفس، حتى لو شكلها انها لم تحقق اي مكاسب لكن أهم مكسب هو الثقة بالنفس وعدم الخوف من سلطة النظام ومن الإسلاميين، متتخيلوش الخوف من الإسلاميين في التسعينات وما بعدها كان عامل إزاي، لأول مرة اشوف الجرأة والقدرة على المنافسة دي من اليسار والليبراليين وغيرهم من تجمعات الثوار".

"لما الإسلاميين نجحوا في انتخابات بعض الدول الديموقراطية زي ماليزيا وإندونيسيا وتركيا نجاحهم كان فرصة ليهم يحققوا إنجازات تبني رصيد سياسي حقيقي مش مجرد حسن ظن، لكن وجودهم في السلطة بيخليهم يقعوا في أخطاء ويرتكبوا انتهاكات، مفيش سلطة مش بتخطي، وده أسقط عنهم الهالة، لكنهم حققوا إنجازات ورصيد سياسي، واصبحو مرنين، سياسيين مش دعاة دين لابسين رداء الطهارة وبس.. عندنا الإسلاميين لم يصلوا للحكم، وانما لمكاسب شخصية وتنظيمية مقابل إنهم يبقوا "الفوطة" اللي العسكري بيمسح فيها كل ارتكاباته.. دي خسارة مزدوجة مقابل "لا رصيد"، أو رصيد أشبه بالصفر.. وده حيخليهم ينقسموا، ويسقط هالة حسن الظن عنهم بدون ما يحققوا إنجازات، يعني حيرجعوا برده "لشنطة رمضان" في الانتخابات اللي جاية، واللي هي حتكون قريبة، سنتين بالكتير من عهد الرئيس الجديد".أوضاع للقبول بالحد الأدنى.... هي نفس السياسة من توفيق عكاشة لشوبير للإبراشي للمرشحين المزيفين لمنصب الرئاسة لشيوخ الإثارة من إرضاع الكبير إلى كل ما نشاهده في البرلمان من "إرضاع" البلكيمي والمواقع الإباحية ومنع تعليم الإنجليزية.. حتى مسمى النظام السابق جزء من الإيهام.. بصراحة مفيش نظام سابق هو هو نفس النظام، بس المعارضة الحقيقية خرجت من صمتها وأحرجت المعارضة المزيفة

"إيه لازمته ترشيح الفقاعات الإعلامية اللي زي محمد حسان للجنة صياغة الدستور؟ يبقى إيه دور لجان كبار العلماء في الأزهر ومجمع البحوث لما واحد زي ده هو اللي يعتبروه أخصائي؟! يسرحوا في المقابر يقروا قصار السور على أرواح الميتين؟!".

وتعليقا على مقولة: الثورة عماله ترجع للخلف .. وتــرجع للخلف ..لحد ما خـلاص هـتـرشق في ثورة يــوليو.
"بعد ما شوفنا أداء البرلمان، وركوع العسكري، وكشوف العذرية، بيتهيألي إن الخوف من إنها توصل لما قبل الثورة العرابية".
وعلى مشروع قانون منع التظاهر الذي أعده النائب الإخواني صبحي صالح الذي شارك في لجنة تعديلات الدستور:
"الراجل ده أمنية حياته يبقى ترزي قوانين لحساب أي ديكتاتور، معقول يمنع التظاهر وريس البرلمان بتاعه كان في السجن وعمر سليمان خرجه لما قامت مظاهرات بتطالب بالحرية!".

"عن نفسي لي تحفظات على أبوالفتوح، لأنه في حالة الفوز (أصدقائنا) الإسلاميين حيعتبروا فوزه هزيمة لغير الإسلاميين، لذلك لدي شرط محدد لأمنح صوتي له، ان يتعاون مع حمدين صباحي أو خالد علي أو بسطاويسي، ولا يعنيني من في الثنائي يكون رئيس ومن يكون نائب، لكن ابوالفتوح سينجل لا يحصل على صوتي، وإنما كواحد ضمن ثنائي يجمع بين الإسلاميين وغير الإسلاميين، ساعتها أنتخبه وضميري مستريح لأني ساعتها أبقى مطمئن إنه فعلا متعاون مع غير الإسلاميين، مش مجرد بيتكلم عنهم كويس، ولما يمسك الحكم ينط الإسلاميين ويقولوا الشعب اختار المرشح الإسلامي.. مش حيقولوا عليه المرشح الثوري، لأنهم مش بيشوفوا إلا نفسهم".
"اللي مخوفني إنه مع نسبة التزوير اللي حتحصل ( ومنها لم الناخبين البسطاء في أتوبيسات من القرى وتوجيه صوتهم) ممكن يقع المرشحين الكويسين كلهم، نتيجة تفتت أصوات الكتلة الواعية، ونلاقي نفسنا قصاد عمرو موسى وشفيق أو سليمان في الإعادة النهائية.. كده تبقى مصيبة، من المهم حشد الناس للمشاركة، والاتفاق على حد يبقى صوت الثورة والتغيير، وموضوع اتفاق اتنين من تيارين مختلفين هو المعادلة المستحيلة إللي لو حصلت حنضمن لنا التصدي للألاعيب".

خالص عزائى لكل أصدقائى الأقباط المصريين

أحمد غريب

Thursday, March 15, 2012

تورنتو..مدينة الأشجار الواقفة في الماء


برج سى إن تاور (CN Tower) ثاني أعلى بناء في العالم حاليا

أحمد غريب
الصور من: www.torontowide.com
تصوير: دوجلاس براون

لمدينة "تورنتو" الكندية حظ من اسمها، والذي يُنطق بلغة قبائل الإروكوي التي سكنتها قبل وصول الأوروبيين "تكارنتو" Tkaronto  ويعني "حيث تقف الأشجار في الماء" ويرجَّح أن هذه التسمية تعود تحديداً لمنطقة شمال تورنتو الحالية، التي تتصل فيها بحيرتان من البحيرات العظمى. يجسد المعنى القديم لاسم المدينة صورة أصيلة في شخصيتها الحديثة، فبالرغم من أنها أكبر مدن كندا وخامس أكبر المدن في أمريكا الشمالية إلا إنها تتمتع بكثافة المساحات الخضراء وتداخلها مع البنيان على نحو نادر. كما يفسر معنى الاسم تلك النزعة في شخصية المدينة  نحو مراعاة معايير البيئة وتغليب قيم الانسجام مع الطبيعة، باستلهام قيم ثقافة الهنود الحمر أو السكان الأصليين، كما يكشف الاسم خلفية الحالة النابضة والحيوية للمدينة والتي وضعت تورنتو في مركز القلب الإقتصادي لكندا ومنحتها درجات عليا في تصنيف جودة المعيشة بين مدن العالم.

 تجسد مدينة تورنتو، التي يبلغ عمرها 176 عاماً فقط، صورة الماء منساباً بسلاسة بين الأشجار بأكثر من طريقة. سلاسة الحركة في الطرقات ملحوظة مثلما هو تناغم الأعراق المهاجرة إليها، حيث وُلد خارج كندا نصف سكان المدينة البالغ عددهم 5.5 مليون نسمة، ما جعل اليونسكو تصنفها أكثر مدن العالم تنوعاً في الأعراق. ويبلغ عدد سكانها الكلي شاملاً ضواحي المدينة أكثر من 8 مليون نسمة، وهو ربع سكان كندا، ما يجعلها قلبا نابضاً للبلد في الثقافة والفنون، وإدارة الاقتصاد، والتأثير والإلهام السياسي أيضاً.

 وقد شهدت تورنتو عدة دورات من البناء والتشييد والتوسع وإعادة التشكيل رغم شبابها، وفي كل مرة كان الهدف إعادة صياغة شخصية المدينة لتستوعب سكانها الجدد أو المتوقع وصولهم. ينقسم تاريخ المدينة إلى ثلاث مراحل رئيسية الأولى هي ما قبل عام 1800، حيث سكنتها قبائل الهورون منذ 1500 ثم الإروكوي ثم توافد المستوطنون الإنجليز خلال القرن الثامن عشر، ومنذ عام 1793 تم تخطيط المستوطنات كمدينة بهدف تأمينها من هجمات الأمريكيين الذين خاضوا بالفعل حرباً هاجموا فيها تورنتو عام 1812. من هذا التخطيط اكتسبت المدينة مخططها الرئيسي الحالي، وفي إطاره نمت جماعات المستوطنين وتفاعلت خلال الفترة من 1800إلى 1945، فكانت تورنتو من أول مدن أمريكا الشمالية التي تمنع العبودية وتسلك طريق الحداثة وحقوق الإنسان وتلقي بثقلها على مبادئ التعايش والعلم والتكنولوجيا كأداة للحياة العصرية.

 تورنتو هي عاصمة مقاطعة أونتاريو كبرى مقاطعات كندا، ويتحدث سكانها الإنجليزية كلغة أولى إلى جانب خليط من اللغات. يجسد مبنى بلدية تورنتو الحديث، بتصميمه على شكل مركبة فضائية، الطور الحالي الذي تعيشه المدينة منذ عام 1945، كمركز تكنولوجي ومالي للدولة وملتقى للفنون والأفكار والفعاليات ليس في كندا وحدها ولكن على مستوى أمريكا الشمالية،  وقد استطاعت تورنتو أن تتقدم خلال السبعينات من القرن العشرين صوب مكانة المدينة الأولى في كندا متقدمة على مونتريال التي تمتعت بهذه الصفة منذ قيام الدولة عام 1886. وقد أثمرت موجة العصرية التي سادت في السبعينات عن تحول مشروع برج كانت تعتزم تشييده هيئة سكك حديد كندا إلي مشروع أطول برج في العالم وقتها، وقد ظل كذلك منذ عام 1976 حتى فاقه "برج خليفة" طولاً، ويبلغ ارتفاع برج "سي إن تاور" CN Tower 553 متراً ويتمتع بتجهيزات خاصة لتوفير الأمان خاصة عند تساقط الثلوج.

 يطل برج السي إن تاور على جزيرة تورنتو في بحيرة أونتاريو، والتي تمثل زيارتها استعادة لصورة مسمى المدينة القديم "حيث تقف الأشجار في الماء" فهي عبارة عن سلسلة من الجزر الصغيرة تسبح بينها طيور البجع والبط الأمريكي بأمان بينها تنمو عليها أنواع عديدة من الأشجار والنباتات بغزارة نادرة وهي مجهزة للضيافة السياحية.

ساحة عامة للتزلج أمام مبنى بلدية تورنتو القديم (بني في القرن التاسع عشر)

مدينة التصاميم
 اكتسبت النزعة العصرية التي تأكدت منذ السبعينات سمة إنسانية بانفتاح المدينة أمام موجات من الهجرة القادمة من آسيا وإفريقيا لتصبح كوزموبوليتانية بالفعل وليست قصرا على الأوروبيين، وأهم ما يميز هذا الطور طموح كبير نحو الريادة في تطبيقات التكنولوجيا الحديثة والمساواة وحقوق الإنسان، أما البحث عن معادلة صعبة تحافظ على الروح الأصلية للمكان، وهي الانسجام مع الطبيعة، فيجسدها ذاك القانون الذي يحتم على كل بناء معماري تخصيص ما يعادل 1% من ميزانية تشييده من أجل عمل فني أو بيئي حول أو داخل البناء يكون متاحاً للعامة، فتتبارى ناطحات السحاب وسط المدينة في ابتكار أشكال جمالية ومجسمات ومساحات خضراء ونوافير، تتميز بابتكارات تصميمية لخدمة التفاعل مع الجمهور؛ أما إذا كان العمل الفني جدارية داخل المبنى أو مجموعة من اللوحات فتتاح زيارتها للجمهور نهاراً.

لفنون التصميم مكانة ودور بالغ الأثر في تميز هذه المدينة، فأعرق وأكبر معاهد وكليات التصميم العديدة هو معهد أونتاريو للفن والتصميم تأسس عام 1876، يعد بناءه الأحدث من أروع البنية تصميما فهو يشبه المنضدة ويرتفع بأعمدة مائلة عن الأرض بينما تبدو طوابقه الأربعة كصندوق قد يحتوي على مفاجأة ما، وهو من تصميم المعماري البرؤيطاني ويليام ألسوب وقد افتتح المبنى عام 2004. وتتميز تورنتو بمجموعة من الشوارع القديمة التي تحمل تراث المدينة خلال مائة عام مضت، وقد تبارى الرسامون قديماً في تصور الحياة في شارعي كينج وكوين اللذان يوازيان شاطئ بحيرة أونتاريو، يتميز الشارعان بأنهما مركز للجاليرهات والمسارح والأنشطة الفنية والفنادق، ويخترق الترام كلا من الشارعين حيث تعد هذه الوسيلة التقليدية للمواصلات علامة جمالية للشارعين، وهما مقصد الفنانين والأدباء عند زيارة المدينة وبهما عدد كبير من المقاهي التي تحمل نفحات ثقافية من مختلف البلدان.

بهذا المزيج الذي يجمع بين سخاء الطبيعة، وغزارة الفنون والتصاميم التي تنمو بالتوازي مع حركة البناء، وتتنوع أشكالها مع تزايد العرقيات والجنسيات، لا تعتبر تورنتو مكاناً قليل التاريخ مقارنة بعمرها وبالنزعة الحداثية في شخصيتها الحالية، والتي تجسدها أيضاً "قلعة كازالوما" بإرثها الأوروبي كمقر للحاكم في زمن الإمبراطورية البريطانية. تورنتو ليست نسخة ترفيهية لامعة على طريقة "ديزني لاند"، بل مكان تتنافس فيه مكونات ثقافية وجماليات من خلفيات تاريخية مختلفة، وهي عاصمة أولى للتصميم والمصممين في العالم من هذه الزاوية التي ينصهر فيها التاريخ ليكشف حكايات إنسانية لا صراعات على السلطة.
قلعة "كازالوما" مقر الحاكم الكولونيالي في القرن التاسع عشر، وتتميز بتطبيقات طليعية لتكنولوجيا الرفاهية المنزلية
Photo: Tourism_Toronto

متاحف غير سياسية
تحتضن تورنتو عدداً كبيراً من المتاحف، مثل متحف أونتاريو الملكي الذي يضم أقساماً للتاريخ الطبيعي وخاصة هياكل الديناصورات التي عثر عليها بوفرة في كندا حول البحيرات العظمى وفي المناطق الجبلية، كما يضم أقساماً عن الحضارات القديمة في مصر والصين والهند واليابان، وحضارة السكان الأصليين في أمريكا، وتشجع طريقة العرض العصرية الزوار على لمس ومعايشة الأجواء، سواء أجواء البحث والتنقيب عن الحفريات أو أجواء التاريخ القديمة، من خلال ارتداء الملابس والتسلية بألعب مستوحاة من وحي أنماط الحياة التاريخية، لكن ذلك مجهز بطريقة تحفز الزائر على التساؤل والتنقيب وتثير فضوله نحو مزيد من المعلومات.

تتفرد متاحف تورنتو بنظرتها للماضي بحثاً عن الإنسان وليس السرد التاريخي الزمني للأحداث الكبرى، لذا تحتفي بأدوات المائدة في الحضارات الصينية والهندية وغيرها، بينما تضم المدينة متحفين أحدهما متخصص في الأحذية، والآخر في الأنسجة، ومن الحذاء والملبس تتكشف صور إنسانية غير معتادة عن الماضي في المتاحف التقليدية، قد نتتبع تطور نوع معين من النسيج بالتفاعل مع البرد أو الحر الشديد في منطقة معينة، وكيف تطورت طرق الحياكة لتلبي الحاجة الجمالية والأخلاقيةو الثقافية، كما تحكي الأحذية قصص الحمام الإسلامي والكعب العالي الفارسي وزهد الحذاء القبطي، وقصص غنسانية مدهشة يتبارى ألمع الباحثين في مجال التاريخ في نفض الغبار عنها بهدف توكيد البعد الإنساني في البحث التاريخي الذي تعرض للظلم بسبب طغيان زاوية الحكاية السياسية  عليه.

من المتاحف المميزة جاليري أونتاريو للفنون Art Gallery of Ontario المتخصص في الفن الحديث والمعاصر، ويتضمن مجموعات من إبداع مشاهير الفنانين مثل بيكاسو وبراك وماتيس وجوجان، ومركز أونتاريو العلمي وهو متخصص في تطبيقات علوم الفضاء والفيزياء، متحف فنون الإنويت المتخصص في الأعمال فنية والحرفية لأبناء شمال كندا الأصليين الذين كانو يعرفون بالإسكيمو وأصبحوا يسمون بالإنويت نسبة إلى لغتهم. وتقام في تورنتو خلال الصيف والخريف مجموعة من المهرجانات الفنية والإبداعية أهمها مهرجان تورنتو السينمائي الذي فاق مهرجان فينيسيا أهمية في السنوات الأخيرة وأصبح تالياً في المكانة لمهرجان كان الشهير، وتعد المدينة أحد مراكز لعبة هوكي الجليد في أمريكا الشمالية.

جانب من الواجهة الخارجية لجاليري أونتاريو للفنون
Art Gallery of Ontario
فصل الخريف

Friday, March 9, 2012

الألتراس والسلفيون


أحمد غريب

الثورة غيرت من طرق إنتاج المعلومات والإعلام، وليس المقصود بذلك الوسائط الإعلامية الجديدة مثل الفيسبوك أو اليوتيوب والبلوج وتويتر، الأهم من ذلك أنها كسرت احتكار النظام الرسمي لحق صك المسميات والمصطحات، خاصة أجهزة الأمن فهي مثلاً التي صاغت مسمَّى "جماعة التكفير والهجرة"، بينما كانت تسمي هذه المجموعة نفسها "جماعة المسلمين"، وليس ذلك إلا مثال صريح على نحت المسمىات من الأساس، والذي كان النظام يمارسه بدرجات مختلفه أخطرها هو إسقاط  التفسيرات أو الدلالات والمعاني، واحتكار تفسير الأمور والأحداث من خلال السيطرة على الإعلام والإعلاميين.
"الألتراس" و"السلفيون" مسميان متواجدان قبل ثورة 25 يناير، لكنهما اقتحما عالم السياسة بعدها، وهما إطاران لروابط يمنح كل منها تجربة وسمات للمنتمين لها، وقد تفاعلت هذه الروابط مع الثورة على نحو كشف سمات وملامح جديدة للإنسان المصري في عهد الثورة، خاصة الشباب الذين هم عظم ولحم هذه الثورة.
فمنذ الهبة الشعبية الأولى في يناير كانت الإشارات الصادرة من ميدان التحرير تحمل عبارات الثناء على فدائية وشهامة الألتراس، بكل انتماءاته سواء لأندية الأهلي أو الزمالك أو الإسماعيلي، وهي الأندية الأكثر جماهيرية وعراقة، حيث تشكلت جذور الانتماء لهاً بالتفاعل مع سياقات تاريخية وطنية تكاد أن تكون معروفة للجميع، بينما أثير الجدل حول الفوارق بين دعاوي الفرملة وكبح الثورة التي تصدر بأشكال مختلفة من رموز سلفية (بداية من تحريم الخروج على الحاكم)، إلى درجة وصل معها الأمر أن يرشح واحد كعبدالمنعم الشحات نفسه في الانتخابات البرلمانية التي تمت في عام الثورة بينما هو يصرح بأن الديموقراطية كفر! في تناقض مذهل للجانب الأخلاقي لشخص يفترض أنه يمثل رابطة أساس دعوتها الأخلاق!
بعض الشباب السفلي حائر، فهو مثلاً يحاول محو صورة العزلة عنه، فينشئ صفحات على الفيسبوك بعناوين مثل "سلفيو كوستا"و"الحياة بقى لونها سلفي"، لكنها مبادرات تحمل رسالة طمأنة تؤكد الشكوك ولا تنفيها، وبينما تستمر حالة التناقض باضطراد مع أداء شخصية المتحدث الرسمي باسم حزب النور، نادر بكار، كمعتذر رسمي عن ما يبدر من رفاقه كل حين! يحمل الإعلام الشعبي الجديد (اليوتيوب وغيره من تطبيقات الإنترنت) بعض رسائل شباب سلفيين يبدون منعزلين عن الرموز التي تضفي تناقضات على التيار، وهذه الإشارات تبشر بإيجابية وتبدو صادقة في وطنيتها، بعكس الطريقة التي قدمت بها صورتهم في بداية الثورة وتفاعلاتها، خاصة الاقتحام المتعصب لموضوع تغيير بعض السيدات لديانتهن، بدلاً من لعب دور عكسي يهديء من الخوطر ويشيع الطمأنينة استناداً إلى أن الوطن لجميع المصريين.
من ناحية أخرى، ظلت روابط الألتراس على وفائها وعطائها للثورة، متمردة على نجوم الكرة ومشاهيرها الذين انحازوا للنظام ثم أصبحوا أدوات لفلوله، مثل الأخوين حسن وأحمد شوبير ومصطفى يونس وغيرهم، كانت هذه الروابط أكثر نضجاً واستقلالاً في تشكيل وعيها واختيار مواقفها، وكانت أيضاً أكثر مواجهة للقمع الأمني في الميدان، ولعلها الأكثر تعرضاً لأذيته حالياً بعدما أسفرت اعتداءات الأمن وبلطجيته المتكررة عن عشرات الشهداء في مذبحة استاد بورسعيد، وقبلها كانت هذه الروابط قد قدمت الشهداء بالآحاد والمصابين بالعشرات في أحداث أخرى، لكن حادثة بورسعيد هي الأكثر دموية ولاشك إذ استُشهد العشرات وجُرح المئات غدراً.
يحدث هذا الفارق بين شباب من نفس الجيل يعيشون التجارب نفسها، ويستغلهم الأمن كأدوات ينفذ بها رسائل الخوف والقمع. هنا سيد بلال، وهنا مذبحة استاد بورسعيد، واعتدءات في مباريات أخرى راحت فيها أرواح!
على صفحتي بالفيسبوك تساءلت عن سبب هذا الفرق في الوعي، والفارق في الأداء والمواقف؟ كيف يمكن لشباب من نفس الشوارع والمدن أن ينحاز بعضه لبرلمانيين كرتونيين ورموز متناقضة في قيمها مثل الشحات والبلكيمي، بينما يتمرد آخرون منه على محاولات غسل المخ كاشفين غياب الضمير عن مشاهير للكرة كانوا قد تربوا وشبوا معجبين بهم وبأداءهم كنجوم للعبة التي يحبونها؟
بعض الأصدقاء منحني إجابات مدهشة، سأذكر بعضها منسوبة لأسماء أصحابها وليعذرونني في الألقاب فمنهم الصحفي ومنهم الفنان:
أشرف نسيم: "دول ثقافة السمع والطاعة ... دول ثقافة جيفارا دول تنظيم رأسي ... دول تنظيم أفقي. دول قادتهم عواجيز وعملاء ... دول قادتهم شباب منهم".
محمد حربي: " الكرة لعبة ديمقراطية تشجع فيها باختيارك وهذا أول دروس الديمقراطية، والكرة لعبة جماعية لا يمكن لأحد أن ينفرد فيها بقرار. الديمقراطية سلوك وحياة والكرة ليست لهواً فارغاً كما يظن الكثيرون".
وسام مهنا: " هناك شباب اتجه للجامع نتيجة لعدم ثقته بنفسه، حتى يساعده على البقاء نقيا... وهناك من يثقون بأنفسهم، ويرون أنهم قادرين على الحياة بأمانة، بدون الاحتماء بمثل السلفيين. الأوائل انغلقوا على عالمهم الضيق. والأخرين تعاملوا مع قول السيد المسيح، أعطوا ما لله لله، وأعطوا قيصر ما لقيصر... لقد استغل السلفيون الفراغ الذى عانى منه شباب كثير، للسيطرة عليهم. وللحديث بقية".
وبعبارة موجزة اضاف الصديق عماد إرنست تعليقاً مقتضباً "مكان الشحن" وهي إشارة إلى الفضاء المفتوح لملعب واستاد الكرة وانطلاق الطاقات فيه، بينما – وهذا الكلام من عندي- انعزل في العقود الأخيرة دور المسجد كمعارضة سياسية في تكوين روابط أخوية (بدأها الإخوان المسلمون) تقيم فاصلاً بين الجماعة وبين فعاليات المجتمع، مما فتح الباب أمام دور ووظيفة بالغ المتدينون في ممارستها هي إصدار أحكام التحريم بدلاً من أن يكون المسجد مؤسسة اجتماعية متكاملة وسمحة تطلق الطاقات وتحتفي بالابتكار.
 بات مجال الابتكار الوحيد الذي تحتفي به مؤسسة المسجد في ظل عهد تلك الروابط الأخوية هو المشاريع التجارية الصغيرة، كون تراث الدين الإسلامي يحث على التجارة بشكل عام، إلى جانب ذلك بعض الوظائف العادية كدار للمناسبات وفصول تعليمية للتقوية وعيادة شعبية، وهي أمور محمودة لكنها لا تطلق طاقة خارج سياقها المألوف، ولا تشجع على نقد، بقدر ما تحمل تواصلاً اجتماعياً محموداً بان أثره في الانتخابات، لكن المتأثرين من أنصار هذه الروابط ارتبكوا وتناقضت الصور عن أدائهم عندما وجدوا أنفسهم في مواقف تتطلب استقلال الموقف والرأي والضمير، وربما شعر بعضهم أنهم ضحية تقنُّع البعض برداء التدين.

في  جولتي بالفيسبوك وجدت تعليقا للكاتبة منى برنس، التي أصبحت مرشحة محتملة للرئاسة، عن الألتراس أورده في هذا السياق: "أجمل حاجة في الألتراس دول إنهم أكتر ناس أو تنظيم متجاوز للتقسيمات الطبقية والاجتماعية والدينية... كل التحية للألتراس". هذا الأمر يمكن رصد مقلوبه على الجانب الآخر من الروابط التي اختارها نفس الجيل كروابط شعبية جماهيرية يحشد فيها نفسه، وهي الروابط  ذات النزعةالسلفية، حيث تميل مشاريعهم التجارية، وأيقونتها "محلات التوحيد والنور" إلى التأكيد على توفير ملابس الكاجوال مقلدة بأسعار زهيدة، بأسلوب يشبه نفس الطريقة التي ابتكر بها شباب آخرون تسمية "الحياة بقى لونها سلفي" فهم اختاروا أيقونة للرومانسية لطالما دغدغت مخليلة المشاهد المصري وآذانه وهو يستمع لسندريلا الشاشة تغني "الحياة بقى لونها بمبي" واستبدلوا بكلمة بمبي كلمة سلفي.
  لا أنكر أن ذلك قد يروق للبعض، سواء التسمية أو أسلوب تسهيل ارتداء الملابس الكاجوال، بغض النظر عن إهدار كثير من الذوق الذي لا يتطلب حيازته إنفاق مزيد من المال. فلا شك أنها كطريقة قادرة على حشد أنصار وجذب مؤيدين، ولفت انتباه كثيرين ممن لا يروق لهم، لكن لابد من التفرقة بين حيازة الأسلوب العصري وارتداء الزي الكاجوال، وبين قرصنته!

 قد يبدو الشكل لمن ينظر من بعيد متشابهاً إلى حد ما، لكن مجرد الاقتراب وتدقيق النظر يبين الفارق الأساسي بين صاحب الشيء ومن قرصنه منه.

 ولعل من المهم هنا الإشارة إلى أن حركات اجتماعية مشابهة آلت إليها الأمور بعد فشل الدولة في الصومال، نتج عنها "قرصنة" صريحة للسفن الملاحية التجارية. وهي حالة متطرفة بلغت حدها الأقصى سواء في فشل الدولة أو في ممارسة القرصنة الصريحة. ومن جانب آخر، وللأسف، لا يمكن أن أحتسب ما يفعله "التوحيد والنور" على النمط الصيني، رغم أن بضاعته المقلدة مستورة من الصين، فالصين تقوم بتصنيع رديء وقليل التكلفة تحارب به التفوق الصناعي الغربي، وهو ما يمكن لمصر أن تفعله أيضا لاعبة على وتر الهوية المصرية في ترويج بضاعتها مثلما تضرب الصين على وتر الهوية الصينية، لكن للأسف ما يحدث في مصر مسخ ليس له علاقة باستقلال الصناعة أو تطويرها، وإنما استغلال شكلي لفكرة الهوية الدينية لجمع أموال سريعة عن طريق الاستيراد!
الألتراس ليسوا ملائكة، هم متهمون بالتعصب، وأحياناً الشغب إذا زاد التعصب عن حده ولم يستطع هضم الهزيمة، وهم مبدعون في تأليف وغناء الأغاني، وتكوين الأشكال الجمالية التي تعبر عن عشقهم للكرة ولشخصية الأندية الرياضية التي التقوا على مناصرتها، لكنهم رغم تأييدهم لهذه الأندية ومناصرتهم لها فائزة أو مهزومة، لا تمنعهم محبتهم للاعب نجم أو مدرب ذكي من نقده، بل إنهم يستمتعون بالبحث عن مواطن الضعف مطالبين أنديتهم بالتغلب عليها.
 ولعل أحد عوامل الجذب في الكرة أنها قائمة على التطوير، وأنها مدرسة لتعاون الأجيال، فتسليم الراية من جيل لجيل من سنن الحياة في لعبة الكرة، بل إنه يتم كل خمس سنوات تقريباً في كل فريق، ووجود لاعب معمِّر يلعب وهو في الثلاثينات من عمره جوار لاعب يصغره بأكثر من عشر سنوات دليل خصوبة وتجدد وتعاون بين الأجيال، كذلك تحول الكبير لمدير للكرة أو مدرب أو انتخابه إدارياً أمر طبيعي، ولطالما تردد على ألسنة الشباب في العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة أن الأندية المصرية هي الوحيدة التي تمارس قدراً معقولاً من الديموقراطية، وأنها الوحيدة التي تجري فيها الانتخابات بحد مقبول من النزاهة. يكفيهم من الديموقراطية أنهم معتادون على تقبل حالتي الفوز والهزيمة، ولا يعيشون في حلم مثالي يجعلهم محتاجين لإصدار أحكام بالتحليل أو التحريم على كل جديد استحدث على مدى قرون من الزمن!

Sunday, March 4, 2012

كيف أنتخب البرادعي؟

د.محمد البرادعي يوم 25 يناير 2011


عندما أصوت في انتخابات الرئاسة الأولى بعد الثورة قد أكتب اسم محمد البرادعي على تذكرة الانتخاب، حتى لو أدى ذلك لبطلان الصوت، فهو صحيح بالمعيار الذي يرتضيه ضميري.

عندما أكتب اسم حمدين صباحي في تذكرة الانتخاب سأكون أيضاً قد كتبت البرادعي.

وعندما أكتب عبد المنعم أبو الفتوح سأكون قد منحت صوتي للبرادعي.

وحين أختار خالد علي مرشحاً رئاسياً يمثل شباب الثورة سأكون قد انتخبت محمد البرادعي.

من منا لا يعلم أن البرادعي هو زعيم هذه الثورة الشعبية؟ من منا ينكر أن زعامته لم تكن سوى نبله الذي اتسق وتماهى مع الثورة الشعبية فلم يسع إلى قيادة كاريزمية، بل منحها زخم وجود القيادة دون أن يفرض عليها ما يكبل جموحها بسبب وجود قيادة تتعرض للضغط وترتبك في حسابات المكسب والخسارة؟

انتخابات البرلمان استفادت من الثورة، لكنها لم تكن تعبيراً عن الثورة والتغيير؛ فجاء البرلمان مسخاً مشوهاً، لا تشكل أغلبيته حكومة، وليس لها سلطة حقيقية سوى كونها ظلاً مدنياً للمجلس العسكري؟
ما الفرق في صلاحيات هذا البرلمان وبين أكذوبة وجود برلمان في كل عهود حاكم عسكري من ناصر إلى مبارك؟

خسر البرلمان خصوبته يوم أن تخلت القوى التي اندفعت إليه عن مركز قيادة الثورة؟ ومركز القيادة هنا هو ذلك التماهي مع الشعب ومطالب التغير؛ إنه الشرعية الحقيقية التي تمنح الثقل لمن يتحدث باسم الثورة، تجعل من صوته مرادفاً لصوت الجماهير، وقد ظل البرادعي وفياً لصوت الجموع، ولم يفرض وصاية عليهم، ولم يبتز عاطفتهم
بتاريخ سياسي مثلما فعلت كتلة الأغلبية في البرلمان، التي لم تصدر حتى الآن تشريعاً واحداً من مجموعة تشريعات تقوم بإصدارها أية ثورة في العالم تحت مسمى "تصحيح الأوضاع"؛ هل يقبل نواب البرلمان الأوضاع إلى هذا الحد أنهم لم يصدروا تشريعا واحداً، ولو تشريع يتعلق بالمرور أو بأي شيء بسيط تحت بند تصحيح الأوضاع؟! لماذا شاركوا في الثورة إذن؟

من منا يتذكر، أو قرأ في كتاب للتاريخ يقول، أن سعد زغلول قد قاد الثورة من موقع رئيس الوزراء بعد أن كلفه الملك؟! من منا؟

هل كان غاندي زعيماً لأنه تولى رئاسة الهند؟

هل حفظ التاريخ لجيفارا رمزيته لأنه تولى منصباً حكومياً رفيعاً؟

الثورة التي صنعتها قوى سياسية جديدة اقتحمت السياسة، وغيرت من موازين القوى المهيمنة عليها، بحثت عن شخصية معروفة تكون رمزاً داعماً للثورة، وذهبت لعمرو موسى فرفض قائلا: الطريق إلى الرئاسة مغلق، فذهبت لأحمد زويل الذي اعتذر، وعندما لجأت للبرادعي قَبِل وظل وفياً لما طُلب منه، أن يكون شخصية زعامية لثورة شعبية،  يكون صوته ترديداً واضحاً لصوت الجموع وهموم الجماهير.

قبل 25 يناير لم يكن لي صوت انتخابي، وبعد أن أصبح لي هذا الصوت فإنني أنتخب البرادعي.


تحديث (15 مايو 2012): قمتُ بانتخاب حمدين صباحي أحد المرشحين الثلاثة الثوريين، ولكل من خالد علي ود. أبوالفتوح التقدير والاحترام وتنميات التوفيق

Sunday, February 19, 2012

موسيقى الجاز (2-2): ديانا كرال.. بيضاء على عرش اللحن الأسود




الملف منشور في مجلة "درة قطر"- فبراير 2012
أحمد غريب

ربما لم يرد استعمال تعبير "التربع على عرش موسيقى "الجاز" قبل أن تطرحه إنجازات المطربة الكندية ديانا كرال، فهذه المرتبة ذات الطابع الترويجي لصيقة بموسيقى "البوب" الشعبية، لكن الاستثنائي هنا مع كرال التي تعزف البيانو منذ عمر 4 سنوات أن بعض ألبوماتها تفوَّق على ألبومات "البوب" رواجاً، حيث سجلتْ مبيعات
ألبوماتها أرقاماً غير مسبوقة بداية منذ عام 2000 عندما حصل ألبومها
When I Look in Your Eyes
على لقب ألبوم العام في الولايات المتحدة، محققاً نسبة مبيعات هي الأعلى في تاريخ"الجاز"، تلاه ألبوم
The Look of Love
عام 2001 الذي نافس في قائمة أغنيات "بيلبورد" - أشهر وأهم سباقات الأغاني- ضمن العشر الأوائل ليكون أول ألبوم"جاز" في تاريخ سباق الأغنيات الأمريكي يسجل تقدماً على أغنيات البوب والروك معاً.




بالطبع تحتل ألبومات كرال، التي بدأت مشوارها الفني عام 1993، مراكز أولى أو متقدمة في موطنها الأصلي كندا، فقد حصلت على 3 جوائز "جرامي" الأمريكية من أصل 9 ترشيحات بينما نالت 8 جوائز"جونو"؛ المعادل الكندي للجائزة الأمريكية. لكن القصد من ذلك العرض للتقديرات التي نالتها نجمة "الجاز" الحالية ليس إلا الإشارة لتغيير أحدثته أغنيات كرال في علاقة الجمهور بموسيقى "الجاز"، والذي يلخصه ذلك الإحصاء الأخير: تخطى مجموع مبيعات هذه المطربة من ألبومات "الجاز" 15مليون نسخة، وهو الأعلى في تاريخ هذه الموسيقى الأمريكية العريقة!


Cry Me A River From "Live In Paris"
الأغنية كتبها آرثر هاميلتون كي تغنيها أسطورة الجاز إيلا فيتزجرالد عام 1920 في فيلم
 Pete Kelly's Blues
لكنها استُبعدت من الفيلم، وغنتها فيما بعد الكثيرات أشهرهن دينا واشنطن، ثم أضافت ديانا كرال كثيراً لطريقة أداء الأغنية فتفوقت

 ثمة شيء ما في موسيقى "الجاز" يعاند الشهرة الفائقة والانتشار الجماهيري الذي تحققه موسيقى البوب، شيء له علاقة بتاريخ صناعة النجومية في هذا اللون الغنائي المفعم بالشجن، حيث يعيد معظم نجومه غناء ألحان قديمة بأساليبهم الخاصة في الأداء، والملفت أن ديانا كرال ليست استثناء عن تلك القاعدة، فقد ظلت تعيد أداء أغنيات من ثلاثينات وأربعينات القرن العشرين لمدة 8 سنوات نالت خلالها أغلب ما حصدته من جوائز!

 تُعد إعادة إنتاج الكلمات أو الألحان سمة جوهرية من سمات موسيقى "الجاز" تميزها عن غيرها من ألوان الموسيقى والغناء الأمريكيين، سمة تمنح كلمات الأغنية عمقاً شعورياً مع تلوُّن نبرات وطبقات الصوت، وتجعل من الأغنية، كلمة ولحناً، نصاً إبداعياً مفتوحاً يتفاعل مع زمان ومكان وحالة المطرب وتوليفة الآلات الموسيقية التي تعزفها الفرقة المصاحبة، بل وحتى حالة المسرح الذي يكون "تقليدياً" ضمن ملهى ليلي.

 هنا تكتسب معايير التنافس بين نجوم "الجاز" سمات ديناميكية ومتناقضة، فالنجاح في تقديم جوهر المشاعر التي حملها النص الأصلي كلاماً ولحناً شرط أساسي، لكن بالمقابل لا يكتسب فنان "الجاز" هويته دون تقديم الإحساس طازجاً من خلال علاقته باللحظة، وتوظيفه الدقيق لموهبته الشخصية وقدراته، خاصة أنه في أغلب الأحوال يكون عازفاً لآلة موسيقية يبثها أشجانه أثناء الغناء وترد عليه، وبذلك يصبح الارتجال قيمة أسمى في الأداء، ويستخدم لقب "أسطورة الجاز" للتعبير عن التفوق الإبداعي بدلاً من الألقاب المستوحاة من فكرة السيطرة والنجاح الجماهيري الطاغي مثل لقب "ملك الروك" الذي أُطلق على إلفيس بريسلي، أو "ملك البوب" الذي التصق بمايكل جاكسون.
لم تعرف صناعة الموسيقى في أمريكا رواجاً تجارياً لألبومات "الجاز" بل تشهد مهرجاناً سنوياً واحداً على الأقل لكل مدينة وبلدة في أنحاء القارة، حيث يتم التفاعل الحي بين الفنان والجمهور والآلة الموسيقية. ظهور ديانا كرال في التسعينات وتصدرها للمشهد الخاص بموسيقى "الجاز" كان انعكاساً لتغيير في هذه السمات الأصيلة في نظرة الجمهور الأمريكي لـ "الجاز". تغيير له صلة بعمليات تصحيح ثقافي في الوعي الأمريكي تجاه تراثه وتاريخ المجموعات العرقية المكونة للمجتمع. وتغير في دور موسيقى "الجاز" نفسها، وفي ذائقة الجمهور الذي بات متقبلاً للاستماع لتسجيلات الحفلات الحية عبر وسائط حديثة.

 وُلدت كرال في بلدة صغيرة قرب مدينة فانكوفر على الساحل الغربي لكندا عام 1964، ويعد وصولها كامرأة بيضاء إلى قمة موسيقى ارتبطت تاريخياً بالسود وبقضاياهم تغيراً عميقاً في الدور الذي أصبحت تلعبه هذه الموسيقى، ما دفع بعض النقاد التقليديين إلى التشكيك في أسباب شهرتها، ملمِّحين إلى عناصر ترويجية أخرى كالشكل والأنوثة، أو لظهورها المتكرر كمطربة "جاز" في بعض الأفلام السينمائية والمسلسلات الدرامية، وهي انتقادات لم تجد ترحيباً من الجمهور وكذلك من قسم آخر من النقاد، لأن أداء ديانا كرال للنمط الكلاسيكي من "الجاز" يجعلها تندمج كلياً في عزفها على البيانو على المسرح ما يتناقض مع اتهامها باستغلال أنوثتها، وقد أشارت كرال بشكل غير مباشر في الحوارات الصحفية القليلة التي أجرتها إلى رغبتها المتحفظة في إبقاء حياتها الشخصية بعيدة عن فنها، ورفضها الكامل للحديث عن استغلالها للشكل في جذب الجمهور قائلة "أنا أم، وبخلاف ذلك لا أهتم بهذا النوع من النقد".

إذن، كيف يمكن أن نفسر هذه الحالة الجماهيرية الإستثنائية لفنانة تتحفظ في اللعب بأدوات الرواج الجماهيري غير الفنية؟

رومانسية "الجاز" دون أيديولوجيا

 للمؤرخ الموسيقي الأمريكي القدير تيد جويا إجابة تحليلية جديرة بالتأمل، قدمها في دراسته "حالة غناء الجاز اليوم" التي رصد فيها مشهد هذا اللون الغنائي في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، بداية من ظاهرة تصدُّر المغنيات النساء للساحة الفنية إلى الدرجة التي جعلته يتساءل "هل دخلت مجلة فوج مجال إنتاج موسيقى الجاز؟" معدداً أسماء: ديانا كرال وجين مونهيت وروبرتا جامباريني ومادلين بيروكس، إلى جانب نورا جونز التي يتراواح إنتاجها ما بين "الجاز" و"الكنتري ميوزيك"، كون هؤلاء هن أشهر وأهم من يغني "الجاز" حالياً. ويعتبر جويا تلك الظاهرة دليل حيوية هذا اللون الفني الذي تخلَّص على يد هؤلاء وغيرهن من مطربات ومطربي العقدين الأخيرين من حمولته الأيديولوجية، ليصبح مضماراً للتعبير الجمالي والشعوري عن العواطف العميقة، ويغدو التنافس فيه بحسب القدرة على بلوغ ذروة التعبير عن العاطفة وفق التقاليد الجمالية وحدها لفن الجاز، والتي تحققها ديانا كرال بشكل مثالي.

لم يُشِر جويا في دراسته إلى أن جميع هؤلاء المطربات لسن من ذوات البشرة السوداء، لكنه أشار إلى أن الشكل الذي ظهر به مطربوا ومطربات "الجاز" كان يلبي دائماً تطلعاً في مخيلة جمهور كل حقبة زمنية بذاتها، وهو في الحقبة الأولى من القرن الواحد وعشرين تجسيد لرغبة تواقة إلى التعبير عن مشاعر رومانسية بألحان مرهفة ابتعدت عنها ألوان موسيقى البوب والروك.

 رصد جويا أيضاً نهجاً تميزت به كرال وكان له دور في تصدرها المشهد الغنائي، وهو اختيارها للون "الجاز الكلاسيكي" الذي يجسد أصفى الحالات الجمالية لغناء هذه الألحان المفعمة بالشجن، ونجاحها في تطوير وتسريع نبض وإيقاع أغنيات حقبة الأربعينات من القرن العشرين بما يسمح بتقبل الأذن لها في الوقت الراهن دون أن تفقد انتمائها لـ "الجاز"، وقدرة هذه المطربة على تحديث كلمات وجُمل الأغنيات خلال الارتجال إلى درجة اعتُبرت بمثابة إعادة تأليف، وهو ما تنفيه كرال مؤكدة أنها تؤلف الموسيقى أولاً ثم تبحث عن كلمات تتوافق معها بعد ذلك. ولعل التعبير الذي وصف به المؤرخ تيد جويا أداء كرال على المسرح معتبراً أنه سر تفوقها على منافساتها من المطربات "تمنح نفسها بالكامل لعملها" هو أكثر ما يلفت بالفعل في حضور هذه الفنانة على المسرح.

 لا تضع كرال إلا القليل من تفاصيل حياتها الخاصة تحت الضوء، فباستثناء إشارات إلى نشأتها في بلدة صغيرة على الساحل الغربي لأسرة من الطبقة الوسطى، ما جعل مخيلتها ترتبط برومانسية مشهد البحر، وبأنها أم لتوأمين، لا يلفت في سيرتها إلا العزف المبكر على البيانو ودراستها للجاز في لوس أنجلوس، والتزامها بالغناء مع نفس عازفي فرقتها الرباعية منذ بدأت وحتى الآن، وتتكون الفرقة من بيانو تعزف عليه بنفسها، وجيتار وكونترباص وآلة إيقاع، وتصاحب الفرقة الرباعية أوركسترا عندما تغني كرال على مسارح كبرى مثل مسرح "الأولمبيا" بباريس.

 تأثرت كرال بفنان الجاز الرائد "نات كينج كول" الذي عزف البيانو وغنى الجاز في خمسينات القرن العشرين وكان أول أميركي أسود يقدم برنامجاً للمنوعات في التلفزيون يستضيف فيه مشاهير ويقدم فقرات غنائية، ولعل ذلك سبب ترحيبها بالظهور التلفزيوني في مسلسلات درامية بشخصيتها كمغنية "جاز"، وقد أصدرتْ ألبوماً خاصاً أعادت فيه تقديم بعض أعمال "كول". أما أول ألبوم تقدم فيه أغنياتها هي فقد صدر عام 2004، وقد ألَّفت ألحانه بنفسها ووضع زوجها المطرب البريطاني إلفيس كوستيلو كلماته لاحقاً بعد تأليف الموسيقى.

يمكن الاستماع لأداء دينا واشنطن لأغنية  Cry me a river عبر الرابط التالي لمعرفة الفرق الذي أضافته كرال لأداء الأغنية:
وللمزيد من أداء كرال الأغنية التالية:   - Lets fall in love  
 

Thursday, February 16, 2012

موسيقى الجاز (1-2).. العزف حتى الشجن


الملف منشور في مجلة "درة قطر"- فبراير 2012
تقاسيم على الساكسفون أو نقرات على أصابع البيانو.. لا تنتهي.. يظل العازف يعيدها دون تطابق، حتى يصل بصوت البوق إلى ما هو أكثر من نفخ نغمات منوعة في أشجانها، ويذيل النقر على البيانو الفواصل بين درجات السلم الموسيقي ليصل إلى حالة شعورية سائلة.. هذا بعض من موسيقى الجاز لكنه ليس كل شيء؛ فعلى العازفَيْن ومعهما قارع الطبل ولاعب الكونترباص – وفق الشكل الرباعي الأشهر في فرق الجاز – أن يعيش كل منهم حالة استيهام في ارتجاله للتقاسيم، وهي درجة أعلى من التناغم بين عازف وآخر، حيث يسبح كل منهم داخل المساحة الإبداعية بين أسلوبه وإحساسه وبين الآلة وهذا النوع الموسيقي الفريد الذي يظل مفتوحاً دائماً على الإضافة والتمازج مع أنماط وتيمات ونغمات عديدة.

لـ "الجاز" فضاء واسع يتداخل فيه الحلم والتاريخ والمشاعر المتحولة. إنه بحث الإنسان عن صوت وصدى لما يتحرك ويعتمل في داخله وليس ما استقر أو ما اكتمل. ثمة نقص لا يبحث عن اكتمال وإنما شجن الرحلة والطريق.




Sunday, February 5, 2012

كنيسة "القديسين" وبورسعيد


مصمم اللوحة هو الشاب: محمد عيد، أحد متطوعي صفحة "كلنا خالد سعيد"، فقد إحدى عينيه في اشتباكات الداخلية مع المتظاهرين في 3 فبراير2012


مذبحة بورسعيد تكرار لمذبحة "كنيسة القديسين" في الإسكندرية التي ارتكبت قبل أسابيع من ثورة يناير لإشاعة الخوف والفتنة، ربما يكون مدبر "بورسعيد" قد فكر مع معاونيه في صيغة أخرى غير الفتنة الطائفية تحقق هدف الوقيعة، والوقيعة حالة من الشك في الآخر، تخلخل الثقة الاجتماعية، وتخلق مسافات بين الأفراد وبعضهم البعض، وبين التجمعات والروابط التي تشكل خلايا المجتمع.
 إنها حالة نعرفها جيداً نحن المصريون الذين عشنا سنوات تحت حكم مبارك واليأس يغمرنا من أي عمل جماعي، و"كلنا" نبحث عن حل "فردي" للأزمات التي كانت تغرقنا دون أن نبادر مبادرة جماعية لحل الأزمة الحقيقية وهي النظام الذي ينتج الأزمات.
 لم يكن هناك مجال لأن نقول "كلنا..." ليس لأن خالد سعيد لم يكن قد استشهد على يد جلادين النظام، أبداً، كان هناك كثير  من الأسباب الثقافية التي تجبرنا على تسليم الأمر لسلطة الحاكم الأعلى، ومن طبقات الخوف التي تحذرنا من الاعتراض، ومن الشك في تضامن الآخرين معنا.
"كلنا خالد سعيد" كانت ثورة على هذا الشك، أو القلق من أن الآخر لن يخطو معك خطوة جماعية، وكان خروج تجمعات الشباب إلى الشارع بعدما بنوا قدراً كافياً من مشاعر الثقة على الإنترت شعلة غير مسبوقة استجاب لها الملايين من الشعب كثير منهم لم يعرفوا ما هو الإنترنت أصلاً.

 لقد أعادت الثورة روحاً جماعية غابت عن شخصية المصري طوال عهد مبارك، ربما تكون قد لاحت في عهدي ناصر والسادات في ساعات المواجهة مع عدوان الغرب وعدوان إسرائيل، لكن تجليات تلك الروح الجماعية كانت أسيرة قناة واحدة للتعبير يمسك بزمامها ضباط الجيش، كونه المؤسسة الأكثر نضجاً في السنوات الأولى للاستقلال عن المستعمر.
"كلنا خالد سعيد"، تلك الفكرة والروح التي اختمرت على الإنترنت، ثم فرضت نفسها - مع غيرها من الروابط والإئتلافات- بتجليات رائعة ومتنوعة على الميدان، أعادت روحاً لم تنجح في وأدها جريمة "كنيسة القديسين" التي تمت برعاية "حبيب العادلي" ليلة رأس السنة في مطلع عام 2011.

 "كلنا" الآن نتغنى في داخلنا بروح الميدان، وروعته. لقد منحتنا ذاكرة جماعية، أصبح بمقدورنا أن نبني عليها ونستولد منها مبادرات جديدة، وما خروج المصريين بالملايين يوم 25 يناير 2012 في الذكرى السنوية الأولى إلا إعلان قوي عن تمسك شعبي حاسم بتلك الروح كدرع يحفظ للشعب وجود القرار بيده.
لكن نظام المرحلة الإنتقالية اعتبر أن الخطأ الكبير لمبارك هو إنتخابات 2010 التي أدارها أحمد عز بأسلوب لم ينجح في تزييف قشرة الديموقراطية، وأن تصحيح ذلك الخطأ، مع توجيه آلة التخويف إلى الشباب الذي انضم حديثاً إلى السياسة، وتخويف هذه القطاعات التي كانت قليلاً ما تتعرض لانتهاكات وتعذيب وسحل ومحاكمات عسكرية وأحكام بالسجن، سيكون كفيلاً بإعادة أو ترميم نفس النظام، خاصة أن القوى السياسية التي يمكنها أن تحرز نصيباً كبيراً في البرلمان قد أنهكها الصدام مع نفس آلة التخويف لعقود، وتتطلع لمكاسب مستقرة خاصة إذا تضمن المكسب قدراً من المشاركة في السلطة، فهي تعلم أيضاً أن القبول الدولي لحيازتها النصيب الأكبر من السلطة يحتاج وقتاً، لذا ستقبل بحصة معقولة تمكنها من مواصلة العمل السياسي الجماهيري باستقرار.
وباكتمال هذه الخطوة أصبح الهجوم على إحدى المجموعات الشبابية ممكناً، لبث جرعة تخويف كبيرة بين جموعها، ولتحقيق الهدف الأكبر: تطويق الروابط الاجتماعية التي تماسكت مع الثورة بالوقيعة والخوف والإنكسار؛ والرهان على أن نسبة كبيرة من الشعب ستقبل وتسلم بالأمر، هكذا ظن من دبر العملية في تقديري.
نجح "مهندس" عملية "مذبحة بورسعيد" في تفادي وجود موقف دولي يدين جهة بعينها، كون الحدث غير طائفي، وظن أن ماكينته الإعلامية التي لاتزال تعمل تحت سقف الولاء للأجهزة الأمنية، يمكنها تصوير الحدث وتسويقه على أنه اكثر من مجرد شغب ملاعب صادف ضحاياه سوء حظ نتيجة عدم وجود مخارج متعددة في الاستاد، لو تسمَّعنا ما قاله الإعلاميون المنسوبين للنظام سنجدهم يتكلمون عن أكثر من ذلك، عن ما يشعل فتنة على أساس مناطقي بين مدينة بورسعيد ومدينة القاهرة، وبين رابطة جماهير لنادي يمثل مدينة ليست بالهينة، وبين رابطة جماهير لناد قاهري كبير له أنصار في معظم المحافظات. هناك أيضاً تصريح المشير طنطاوي الذي يبدو أن ظاهره الاستنجاد بالشعب، لكن معناه الحقيقي يقود إلى صراع أهلي وفوضى كبيرة.
لاشك أن مخطط العملية أو"مهندسها" يضرب الآن أخماساً في أسداس متعجباً من تمسك الشباب بفكرة "كلنا" وعدم انسياقه وراء الفتنة والانقسام. إنه يدفع الآن بآخر قطع شطرنج يمكنها أن تمنح عمليته قدراً من النجاح، يقلل من نتائجها الكارثية عليه وعلى من كلفوه بالتخطيط، فيلقي بورقة "شيوخ الأمن"  مثل الشيخ يعقوب صاحب عبارة "غزوة الصناديق" التي جعلت من صوتوا بـ "لا" في الاستفتاء هدفاً للغزو وليسوا حوالي خمسة ملايين مواطن ارتأوا وجهة نظر سياسية معينة كان اختيارها مباحاً وشرعياً ومتاحاً، هذا الرجل يظهر على الشاشات الآن ناصحاً آباء الشباب بسحب أبناءهم من الميدان، ضمن جملة من النصائح تعني تسليم الأمر بالكامل للسلطة القائمة تفعل ما تشاء.
إذن ما الجديد في عملية الترميم التي يقوم بها النظام عن ما سبق؟
باستثناء انتخاب برلمان قليل الصلاحيات، لا شيء.
 فقط رهان أعمى، من أشخاص أغلق تشبثهم بالسطة عقولهم، وجعلهم يصدقون أن الخوف أصيل في الإنسان المصري، وأن الانكسار وغياب الثقة في إنتماء الآخرين للوطن حالة إدمان لنفسية المصري، وأن الشعب بين الخوف والانكسار سيكذب على نفسه كذبة ويصدقها، مستسهلاً فكرة أن القائمين على السلطة لا يخطئون، ولا يتآمرون عليه، بل وربما يبالغ البعض في الكذب فيقول إنهم يتصرفون هذه التصرفات لأنهم وطنيون ويخافون على الشعب من عدوان خارجي!
لم تفلح مذبحة "كنيسة القديسين" في خرق الصفوف التي توحدت والتأمت تحت عاطفة "كلنا"، وقد أعادت مذبحة "استاد بورسعيد" بعضاً ممن كان قد ابتعد عن روح "كلنا"، وهاهم يعيدون أحد رموز التفرقة (صاحب غزوة الصناديق) عله يكرر نجاحه في تفتيت الجموع.
حاصل جمع "نعم" و"لا" هو "كلنا".
مسلة الشهداء التي أقامها الثوار في ميدان التحرير في الذكرى الأولى لإنطلاق الثورة 

Thursday, February 2, 2012

استقرار العنف


أحمد غريب

كل الطرق التي سلكها الشعب المصري أدت إلى العنف، رغم أن النوايا والتطلعات كانت تهدف إلى العكس!

هناك أنماط من الثورة شهدتها التاريخ، ونحن لسنا بدعاً، هناك النمط الإنجليزي الذي يبدو أن مصر تحديداً قد سلكت طريقه منذ صوتت أغلبية الشعب لخيار "نعم" مغلبين فكرة الاستقرار السريع، الذي منح المؤسسة العسكرية (دون أن يتضمن مضمون التصويت ذلك صراحة) نوعاً من التفويض الكامل، فلم يعقد المجلس العسكري لقاءات مع القوى الوطنية التي شاركت في الثورة، سوى مرة واحدة قبل الاستفتاء تحت مسمى (الحوار الوطني)، ولم يعقدها بعد الاستفتاء، بل انطلقت قوى الثورة المضادة لتمارس حضورها السياسي بواسطة إشعال الفتن الطائفية، وإشاعة الفوضى الأمنية، وحملات تخوين بعض الفصائل التي شاركت وضحت من أجل الثورة، وإطلاق اتهامات التخوين وتلقي أموال من الخارج.

لم يحاول المجلس العسكري الحاكم الاستماع، مجرد الاستماع، إلي طرف مخالف له إلا بعد أحداث "محمد محمود" بقبوله فكرة تولي البرادعي وزارة إنقاذ، وقد عرض الفكرة على القوى الحزبية التي كانت تستعد لبدء الانتخابات البرلمانية، ورفض قسم رئيسي منها هذه الفكرة، مكلفاً "العسكري" بالبحث عن رئيس وزراء مناسب غير البرادعي، وحل استقراري غير فكرة وزارة الإنقاذ. المصدر في ذلك هو أبو العلاماضي رئيس حزب الوسط الذي أعرب لجريدة الأهرام عن دهشته من هذا الخيار لبعض القوى الحزبية، دون أن يسميها.

يمكننا أن نفهم من هي هذه القوى الحزبية التي عارضت مشاركة جزء من السلطة مع ممثل للقوى السياسية التي لاتزال في الميدان، معتبرة أن الانتخابات البرلمانية كفيلة بالحل. هي لا شك إحدى القوتين الأكثر عدداً في البرلمان (الإخوان أو السلفيين) أو كلاهما.

لكن هل المسألة مجرد المشاركة في السلطة؟

بالطبع لا، إنها تتعلق أكثر بالتوجه السياسي الذي لايزال يدلل الفلول ويحمي من كانوا في السلطة قبل 25 يناير، ويحافظ على سياسات تحمي مكاسب القوى التي سادت قبل 25 يناير، ويتعلق الأمر أيضاً بالمطالب التي لم تنفذ والسياسات المرجوة التي لم يعلن أي فصيل سياسي له حصة رئيسية في البرلمان عن نيته تبنيها، بل يتم ضرب عرض الحائط بها رغم صراخ الجميع بها في الميدان وفي المسيرات.

 هذه المطالب لاتجد من ينفذها أو يتبناها، و"الإخوان" الذين يشكلون الأغلبية البرلمانية صريحون، ففي لقاء مع الأستاذ صبحي صالح تضمنه برنامج "من سيحكم مصر" للإعلامي أسعد طه على قناة الجزيرة، قال الرجل (مبتسما) رداً على سؤال حول المحاكم العسكرية: "لقد جربناها، والآن بعد الثورة رفع الحظر الذي كان مفروضاً علينا من الوصول للوظائف السيادية والكبرى في الدولة، ومنها القضاء"، الذي يعنيه هو شخصياً. هكذا يصعب على قوى سياسية تفكر بهذه الطريقة أن تتبنى مطالب عامة، أو تستفيد منها قوى أخرى تتألم لعدم تلبيتها، حتى لو كانت مطالب تمثل قطاعات شعبية عريضة نسبياً، فمن في السلطة، او من يمثلون دور الساتر الذي يحميها (البرلمان) يستسهلون خداع هذه القطاعات من الرأي العام من خلال إرباكها بدعاية إعلامية تستهدف مصداقية من يعبرون عن هذه المطالب وعن هذه الكتل.

للأسف أصبح الخيار الذي تقدمه السلطة بعد عملية تغيير تحسين وجهها بوجود برلمان شكلي: العنف، أو الاستسلام والتنازل عن المطالب الشعبية. فلم يصدر البرلمان أي قانون يعبر عن تصحيح أي وضع من الأوضاع التي كانت قائمة قبل الثورة!

 لم يتم إلغاء المحاكمات العسكرية، بل تم رفع الحصانة عن أحد النواب ليواجه المحكمة العسكرية!

 لم يصدر قانون واحد يصحح أياً من أوضاع الأجور أو الضرائب او طرق الإنفاق الحكومية غير المقبولة!

 هل يعقل أن الثورة لم يكن لها مبرر ولا يوجد في الأوضاع ما يحتاج إلى تصحيح؟!



 لقد أدت الخيارات الشعبية التي غلَّبت فكرة "الاستقرار السريع" إلى احتفاظ القوى المضادة أو غير المتحمسة للثورة بكل امتيازاتها، بل وبقوتها الضاربة التي تعمل بكفاءة متزايدة من محطة إلى أخرى نحو القضاء على مطالب التغيير ومن يمثلونها، وفي كل مرحلة تقوم بتصعيد العنف، أو تحمي تابعيها من عواقب ممارسة عنف ( مثل الضابط الشناوي قناص العيون، أو حماية الضباط الذين أمروا وأشرفوا على كشوف العذرية، وقبلهم حماية قتلة ثوار يناير من العقوبة) في كل مرة تحقق هذه القوى التي تحمي هؤلاء مكسباً أكبر هو "تخويف" البسطاء وذوي الدخل البسيط، وكثير من المصريين العاديين الذين كانوا قد اختاروا "الاستقرار" منذ البداية تقليلاً للأضرار، لكنهم لا يعرفون لماذا كلما ظنوا تحقق الاستقرار يقوم أصحاب السلطة بمزيد من العنف، مرة تسمح الظروف بتصديق الحملات الإعلامية الكاذبة بتحميل مسئولية العنف للمتضريين من العنف نفسه (إيه اللي وداهم هناك) ومرة لا تسمح مثلما حدث في أحداث ستاد بورسعيد، والتي أصبح فيها العنف على المكشوف، نتيجة وجود حائط صد الآن اسمه "مجلس الشعب" يمكنه أن يشارك "المجلس العسكري" في تلقي شحنات الغضب المتولدة عن سفك الدماء، وبالتالي تم رفع جرعة العنف لوجود حائطين صد وليس واحداً فقط.

إلى كل من اختاروا الإستقرار ولم يتبينوا حقيقة نوايا السلطة التي أوكلوا إليها تطبيق سياسيات هذا الاستقرار، أرجوكم أفيقوا قبل أن يستقر العنف إلى ما لا نهاية في حياتنا من خلال دورات من الثأر، فسوف يصل إليكم المجرمون يوماً ما بعد القضاء على من وقف في وجههم.

مصمم اللوحة هو الشاب: محمد عيد، أحد متطوعي صفحة "كلنا خالد سعيد"، فقد إحدى عينيه باشتباكات الداخلية فبراير2012