Friday, May 9, 2014

عن حزب الدستور وحمدين صباحي


 
 
 
أفضل ما في تجربة الانتخابات دي بالنسبة لغير مؤيدي السيسي هو التحالف بين حمدين صباحي وبين حزب الدستور، أو بمعنى أصح خروج حزب الدستور للمشاركة السياسية الأولى الجادة بعد ما خلص فترة التكوين. الحزب ده ضم نسبة كبيرة من الناس اللي كانت من "الأغلبية الصامتة" قبل الثورة وقررت الانحياز للثورة ومواجهة النظام، وتأثرت بالحالة الليبرالية الجميلة اللي عملها البرادعي مع الثوار خلال 3 سنوات بدأت من قبل 25 يناير ...بكام شهر، واستمرت بعدها حوالي سنتين وشوية.
كويس إن البرادعي استقال من الحزب وهو على باب الدخول جوه توليفة تحالف 30 يونيو، لأنه أعفى أعضاء الحزب من صدمة المشاركة القصيرة جوه التحالف؛ اللي هو انتهى فعليا بتفويض 26 يوليو. الإعفاء من شدة الصدمة، والتركيبة الرائعة للحزب، وطبيعة فترة التكوين بتاعتهم من الصدام مع مبارك، للصدام مع العسكري ومع الإسلام السياسي أعطت للحزب مناعة كويسة، وتميز توجهاته. ده غير انها كمان ساعدته يكون عريض جماهيريا إلى حد ما؛ باعتبار إن العضوية في الأحزاب مش لازم تكون كبيرة، لكن التوجه بتاع الحزب هو اللي بيجذب مؤيدين وقت الحركة السياسية.
المميزات الـ 3 اللي فاتو عملوا منه نواه لحزب سياسي بالمعنى الحقيقي، والثمرة الأولى بانت في انتخاب هالة شكرالله رئيسة للحزب، بكل ما يمثله ذلك من اختلاف وتميز عن الطابع العام للحياة السياسية في مصر؛ اللي هو ذكوري وتقليدي وسلطوي من حيث طبيعة قياداته وعلاقتهم بالقواعد.
أفتكر إن وجود حزب الدستور في صف حمدين، ومساعدتهم ليه في استكمال التوكيلات المطلوبة للترشح مش بس بيوفر دعم كويس ليه بحيث يفضل مكمل في السباق للآخر، ده كمان مساعد حمدين على تحسين أفكاره وتحسين صياغتها بحيث تناسب طبيعة أنصار الثورة والتغيير، وده له علاقة بتغيير بعض الناس اللي موقفهم بيميل للمقاطعة رأيهم باتجاه المشاركة في الانتخابات والتصويت. مش متخيل حد ممكن يحلل تحولات الخطاب السياسي عند صباحي من غير ما يربط ده بوجوده جوه جبهة الإنقاذ، وبوجود حزب الدستور في صفه في الانتخابات. حقيقي كلامه ورؤيته نضجت كتير.




وبغض النظر عن النتيجة، اللي بالتأكيد حزب الدستور حيكون له نسبة في حصة الأصوات اللي حتروح لحمدين، تجربة الحزب محتاجة دعم واهتمام، والحقيقة ان خروج البرادعي وصعود قيادة منتخبة ومختلفة عن التركيبة العتيقة للنخبة السياسية في مصر هو الرهان السياسي على شيء من التغيير، لأنه في حالة نجاح السيسي مثلا الخطاب السائد حيكون افرم واطحن واسجن واعدم، والجنرال حيعمل ده لصالح باشوات الرأسمالية وحراسهم من جنرالات الجيش اللي عايشين على العمولات. الحزب ده وتوجهاته هو اللي ممكن يشكل نواه تلتف حولها قوى المعارضة الحقيقية بكل توجهاتها علشان تفرمل الفاشية اللي صاعدة، أو يمكن فعلا يكون الحصان الأسود اللي يقلب النتيجة ويساهم في نجاح حمدين (لو مش حتتزور في حالة فوزه يعني).

Saturday, April 26, 2014

عن سباق الرئاسة: السياسي والموظف





هذه معركة بين ما تبقى من ثورة يناير ضد من استحوذ على 30 يونيو.
معركة بين السياسي وبين الموظف. السياسي الذي أعاد صياغة نفسه وبرامجه عدة مرات ليخرج من الأيديولوجية الناصرية في الثمانينات، إلى حركة كفاية، ثم إلى التعبير عن جماهير شعبية واسعة كما جسدها محصوله في انتخابات الرئاسة السابقة، ثم انتمائه لجبهة الإنقاذ الوطني التي رفضت انقلاب الإخوان الدستوري.
وبين موظف الدولة الكبير الذي لم يصعد سلمها الوظيفي إلا لأنه كان حارس الأسرار، أو حارس "الصندوق الأسود" للنظام؛ وكان ترقيه السياسي في أعلى درجتين فقط، عندما احتضنه الإخوان المسلمين لأنه كان قد حذرهم من حدوث موقعة الجمل قبل وقوعها بساعات، وعندما اصطدم بهم، مضطراً، ليمتص غضب ملايين عديدة لم يقبلوا انقلاب الإخوان الدستوري.

في هذه الانتخابات سبق الدستور اختيار الرئيس، لكن لا أحد يهتم بتأثير ذلك عند محاولة تصوّر شخص الحاكم الذي يصلح للمنصب، أو القائد الذي يمكنه أن يلعب دوراً مؤثراً في إدارة عجلة البلد صوب اتجاه ينتشلها من حالة الأزمة.
لا أحد يهتم بتأثير الدستور الجديد، لأن أصوات الساخطين من السياسة واللاعنين لها أعلى وأكثر دوياً ممن فتحوا مجالها الذي ظل مغلقاً وحصرياً لعقود، هذا من جانب. ومن جانب آخر لايزال الشعب يصارع نفسه محاولاً امتصاص أثر ثورة يناير، والعثور على طريق بعد زلزالها. حتى من يحاولون من جديد لملمة النظام الذي قامت ضده ثورة يناير ويتحلقون حول السيسي، لم تتح لهم مثل هذه الفرصة لولا أن أزاحت ثورة يناير وامتداداتها في محمد محمود، ثم ملحقها في 30 يونيو طبقة العسكريين القدامى الذين أحاط بهم مبارك نفسه.

تجديد هذه الطبقة ضرورة فرضتها ثورة يناير التي كشفت عن ضعف قيادة الجيش، وأسهمت في الدفع بها محاولة الإخوان المسلمين الاستحواذ على الثورة وابتلاعها.
لكن هل يمثل السيسي جديداً غير فارق السن بينه وبين شخص مثل عمر سليمان؟ ألا يشكل هو نفسه مشكلة أمنية حال توليه منصب كبير بينما يناصبه عدد لا يستهان به من الشعب عداء شديداً؟ هل يحتمل الجيش رهاناً كهذا وسط تقلبات مزاج الشارع المصري الحادة، وانقلاباته المتعاقبة على الطبقة السياسية نتيجة أزمته الاقتصادية؟

حتى الآن لم تستطع تحولات ثورة يناير، ومن بعدها انتفاضة 30 يونيو شق طريق واضح للسياسة في البلد، ولم يفلح الدستور الذي قصقص من سلطات الرئيس لصالح رئيس الوزراء والهيئة التشريعية، وقنن لمجموعة منشطات إيجابية من شأنها أن تبقي المجال العام مفتوحاً أمام المشاركة، وثبّت بعض المبادئ الحقوقية التي تراعي شرائح اجتماعية لم تؤخذ بعين الاعتبار من قبل؛ حتى الآن لم يرسم ذلك معالم لطريق، وأيضاً لم تنجح محاولات تجاهل وردم هذه التحولات التي أطلقتها ثورة يناير في امتصاص زلزال الثورة ومحو أثره.

هي معركة السياسي في مواجهة الموظف؛ يعاب على حمدين صباحي عدم خبرته بالمناصب مع أنه وصل إلى عضوية البرلمان منتخباً، وهو أعلى منصب يمكن الوصول إليه دون رغبة النظام الحاكم، ويعاب على السيسي أنه هو نفسه مشكلة أمنية حال توليه منصب سياسي، على الرغم من أن خبرته الوحيدة في جهاز الدولة هي الأمن.

لا توجد ضمانات أن أجهزة ومؤسسات الدولة لن تتمنع على حمدين حال انتخابه رئيساً سوى الناخبين الذين صعدوا به إلى المنصب، ليس للرجل جماعة ولا تنظيم يستقوي بهما، فقط الناخب
ولا توجد ضمانات أن السيسي قادر على إنهاء الحرب على الإرهاب طوال فترة حكمه حال وصوله هو إلى المنصب، الأكثر احتمالاً أن وصوله سيرسخ من شرعية المعركة بالنسبة للإرهابيين، وسيكون أمنه الشخصي عبئاً على الشعب كله، من انتخبه ومن لم ينتخبه.
 

هي أيضاً معركة ما تبقى من 25 يناير في مواجهة من استحوذ على 30 يونيو، لكن إلى أي مدى يعبر المرشحان عن الغائبين عن المشهد، والمنسحبين منه، والمقاطعين له، والمتشككين فيه، والمستبعدين منه؟
لا توجد في هذه الانتخابات تدريجات لونية مثلما كانت انتخابات 2012، لا يوجد إسلامي معتدل كأبوالفتوح، وممثل صريح لليسار كخالد علي، ولا مرشح يمثل يسار المحافظين مثل عمرو موسى، ولا مجموعة باهتة من ضباط الشرطة يساعد حضورهم الباهت على تسليط الانتباه على ضابط جيش بعينه.

هذه انتخابات شديدة العصبية أيضاً، لقلة مرشحيها لا لكثرتهم. مرشحان فقط، يمثلان تناقضات جماهير 30 يونيو، ويعكسان أزمتها.
مرشحان فقط، يكشف الفارق بينهما تناقضات الناصرية؛ هل الناصرية هي تحديث الدولة وإعادة توزيع الثروة، وفتح مجال الحراك الاجتماعي؟ أم الناصرية حاكم وطني، يضبط الأمن، ويحقق الاستقرار بإقصاء الخصوم والمنافسين؟
هناك أزمات مسكوت عنها في السباق للرئاسة: أزمة استبعاد قطاع من الجماهير من المشهد، استعدائهم، ومعاداتهم.

هناك أزمة صعوبة تمثيل كل مرشح لقطاع جماهيري عريض، ما سيضطر كثيرين ممن قرروا المشاركة والتصويت في الانتخابات إلى البحث عن أسباب رفض للمرشح الآخر أكثر من تبني أسباب تأييد للمرشح الذي يمنحونه أصواتهم.
أزمة هذه الانتخابات أنها تحاول تسوية ما لم تحسمه حركة الجماهير الثائرة، تحاول امتصاص حركة الشارع بإعلان قسم منه فائزاً وآخر مهزوماً:
السيسي بالنسبة لمناصريه الشخص المقبول الذي يمكنه حصد قدر من الأغلبية فشل أحمد شفيق في جذبه، لتعود الأمور كما كانت أيام مبارك في التسعينات مثلاً، وليس كما كانت في أواخر عهده. يؤيد ذلك ما يمكن أن نسميهم "تجار البازار"، العاملين في السياحة والأنشطة المستفيدة منها، وكثير من صغار ومتوسطي التجار، إلى جانب تأييد قطاع من موظفي الدولة، تزداد درجة التأييد لدى بعضهم بحسب درجة الاستفادة منها.

حمدين صباحي بالنسبة لمناصريه الاختيار الممكن بعد تفكك ثورة يناير، لا يمثل تهديداً كبيراً على نظام الدولة يجعلها تتمنع عليه كما حدث مع مرسي، وفي الوقت نفسه ليس لديه إلا الناخبين، لا تدعمه جماعة ولا تنظيم ذو قواعد شعبية يمكن أن يتفاوض كما فعل الإخوان المسلمين مع شبكات الفساد القائمة ليشاركها؛ ليس أمامه إلا ترويضها من الداخل، أو قيادة معارضة قوية من الخارج تكون بشكل ما خط ردع لهذا الفساد، أو على الأقل تبقي المعركة ضده مستمرة. يتبنى برنامجاً للتغير، وتوسعة مساحة المشاركة أمام شرائح وطبقات مهمشة، وهنا مصدر تأييده الجماهيري، لكنه مرشح المهمشين الذين لا يعرفون حجمهم.

هذه معركة أهم ما فيها يحدده سؤال: من الذي سيشارك في الانتخابات؟ من سيدلي بصوته؟ تتساوى أهمية ذلك مع أهمية النتيجة.
 

خيار المقاطعة -كموقف سياسي- في هذه الانتخابات ليس أقل بؤساً من محاولة الإخوان المسلمين وصف مسيراتهم بعد خروج مرسي من السلطة بأنها اليوم الـ19 لثورة يناير.
هناك 25 مليون شخص يشارك في كل الانتخابات والاستفتاءات منذ سقوط مبارك، ويقابلهم حوالي 20 مليون شخص لا يشاركون لأسباب لا علاقة لها بالمقاطعة. هنا يتوه المقاطعون، لا تمنع مقاطعتهم إسباغ شرعية على عملية التصويت نظراً لمشاركة الملايين، ولا تستطيع تمييز نفسها عن ملايين عديدة لا تشارك اتكالا على الآخرين، أو لأنها لم تشارك من قبل.

المقاطعة التي لا تستطيع إقناع ربع المشاركين بعدم المشاركة لا تعد مقاطعة من الأساس. لقد بنت كل الحركة السياسية المعارضة لمبارك خطابها على أن النظام لا يسمح بالمشاركة، وان إتاحة المشاركة ستغير اللعبة، لا يمكن لحركة مقاطعة جادة أن يكون لها صدى الآن بعدما تخطى عدد المشاركين في الانتخابات 25 مليوناً، انطلاقاً من 6 ملايين وهو أكبر عدد رسمي شارك في أي اقتراع أيام مبارك!

يستطيع حمدين صباحي أن يتحرك ويجري اللقاءات الانتخابية، ويلتقي الجمهور، لكن قد يلقى مؤيدوه قمعاً يأتي أحياناً من بعض الجماهير التي تريد إسكات صوت السياسة.
بينما السيسي مقيد، لا يتحرك إلا معتمداً على حراسة مكثفة، لكنه يستطيع أن يعتمد على أنصاره من التجار بشرائحهم المتوسطة والكبيرة في الدعاية له وترويع معسكر خصومه بأن النتيجة محسومة سلفاً، وفي المقابل لا يستطيع إغضاب هؤلاء الأنصار والإعلان عن أي انحيازات صريحة لشرائح الفقراء تتعلق بالعدالة الاجتماعية، وهو ما يشكك في صورة الأغلبية الكاسحة التي يروجها معسكره.

Tuesday, January 14, 2014

السياسة بعد الاستفتاء

 
 
منذ استفتاء مارس 2011 الذي صوت فيه 77 بالمائة من الناخبين لصالح إصلاح دستور 71، وليس كتابة دستور جديد، بدا للكثيرين أن اختيار إعادة ترميم وإصلاح النظام القديم هو مطلب أغلبية الشعب لأسباب عديدة.
في طليعة تلك الأسباب التي جعلت المجتمع يحجم عن ارتياد طرق جديدة في البحث عن إجابة لأزماته التي قادته للثورة فراغ السياسة والضعف الحزبي، وعدم استطاعة الثقافة الليبرالية أو اليسارية الانتشار بين قطاعات كبيرة من الناس بالدرجة الكافية لخوض تغيير خارج المسار التقليدي، إضافة إلى هيمنة المؤسسة العسكرية لفترة طويلة على مفاتيح السياسة وكواليسها وصبغها مفاهيم الإدارة بصبغة تحمل طابعها وأسلوب أدائها، ناهيك عن سيطرتها على قطاعات حيوية من الاقتصاد بعضها استراتيجي مثل قناة السويس.

كذاك عزز أفضلية المسار التقليدي الزخم الذي تمتع به تيار الإسلام السياسي، والذي شهدت جماهيريته تمدداً كبيراً على أنقاض الثقة المنهارة في نظام مبارك، والتراجع الكبير للتوجهات الليبرالية الهشة بطبيعتها خلال الحرب الأولى على الإرهاب في التسعينات، أو حرب مبارك على الإرهاب، والتي انتهب بتقييد المجال العام وابتلاعه من قبل عملاء الأمن ورجاله تماماً، بحيث تم احتواء نزعة التدين الجماهيرية بواسطة دعم النظام لتنظيم ديني تابع له مثلته الاتجاهات السلفية، ليكون منافساً لتنظيم الإخوان المسلمين الذي تزايدت جماهيريته ليصبح المعارضة بالكامل تقريباً.

لبّى السلفيون الطلب الجماهيري على التدين خارج إطار الكيانات الدينية الرسمية (خارج الأزهر)، وقد مكّن حضور الإسلام السياسي الكبير تياراته من دعم عملية توجيه الثورة نحو فكرة ترميم النظام، مقابل لعب التيار أدوار جديدة تكسب له مزيداً من الأرض السياسية، وانعكس ذلك في فوز الإخوان والسلفيين بأغلبية ديناميكية في البرلمان مكنتهم من الاستحواذ على معظم عملية الترميم تقريباً.

لكن ثورة يناير كانت حدثاً عظيماً بكل المقاييس، وغير مسبوق في ثقافتنا، ولعل ما كشفه كتاب "إجهاض الديموقراطية" (1) لجيسون بروانلي Democracy Prevention عن جدل مبارك وأوباما حول توقيت استقالة مبارك وتخليه عن السلطة يفسر لماذا ظلت هذه الثورة تندفع للأمام وتجذب جماهيراً ومؤيدين لفترة طويلة، عوّضت خروج الإخوان عن صفوفها، وانحياز تيار الإسلام السياسي كله لفكرة ترميم النظام.

كانت رؤية أوباما، بحسب براونلي، أن بقاء مبارك في السلطة وإشرافه على ترتيبات تعديل الدستور وفتح المجال العام من أجل تداول السلطة سيبقي هؤلاء الثوار في الشارع، وهو ما يهدد الاستقرار في مصر، ويمثل هذا التهديد خطراً قد تقع السلطة بسببه في يد من لا يتقبل الهيمنة الأميركية على الدور المصري الإقليمي، ويعرقل الخدمات العسكرية التي يقدمها الجيش المصري للقوات الأميركية، والخدمات الأمنية التي تقدمها المخابرات المصرية لحساب الولايات المتحدة. كانت تقديرات الإدارة الأميركية لاحتجاجات 25 يناير الشعبية أقل من الحدث بكثير، وقد زاد ذلك من شكوكها فيما يمكن أن يحدث من تداعيات، وعزز مخاوفها تجاه خروج السلطة من أيدي حلفائها بالكامل دون أن تقوم هي بالترتيب مع بديل.

وجهة نظر أوباما كانت تلبية تطلعات هذه الجماهير، وإعادتها خارج المعادلة، لكن وجهة نظر مبارك كانت التحذير من أثر خروجه من السلطة بهذه الطريقة قائلاً "أنت لا تعرف ثقافة هذا البلد"، بحسب براونلي، وكانت النتيجة أن لجأت الإدارة الأميركية للاتصال المباشر بعمر سليمان وطنطاوي لترتيب انتقال السلطة دستورياً، ونتيجة عد وجود حل دستوري وافقت أميركا على انقلاب ناعم تنتقل فيه السلطة للجيش الذي يحظى بقبول شعبي.

هذه النقطة أي خروج مبارك بهذه الطريقة كاستجابة للضغط الشعبي، في رأيي، كانت مصدر الزخم الكبير، والأمل، الذي ضرب أعصاب الشعب المصري بقوة، وجعل الكثيرين يثقون في قدرة الشارع على تسيير الجبال، وكنت ثمرة ذلك بقاء ما أسميته "الكتلة الحرجة" (2) في الشارع حتى بعد خروج الإخوان من الصف الثوري.

الكتلة الحرجة في ميدان التحرير لم تنتصر سوى بالقدر الذي يسمح لها بتشكيل مدينتها الفاضلة في الميدان، لكنها لم تستطع، لا عددياً ولا تنظيمياً ولا أيديولوجياً، فرض نظرتها على قوى السلطة، ناهيك عن أنها لم تستطع الاستحواذ على أي شكل من أشكال السلطة، لكنها في المقابل ظلت كتلة غير قليلة، وغير قابلة للبلع، ولا للإزاحة، ولا للتهميش كما راهنت السلطة عندما قبلت مشاركة الإخوان في الحكم، بالبرلمان أولاً، ثم بالرئاسة منزوعة الهيمنة على المؤسسة العسكرية ثانياً من أجل تهميش هذه الكتلة واستعداء الناس ضدها.

بالعكس، ظل زخم النتيجة التي أسفر عنها اعتصام الثمانية عشر يوماً يدفع بالموجات الثورية، ويحشد من تلقاء نفسه الجماهير، ويدعو مزيداً من الشباب إلى الميدان، وإلى الانخراط في تشكيلات شبابية داعمة للثورة، تدفعهم آمال كبيرة.
لعل أهم نتائج استمرارية الكتلة الحرجة القادرة على تمديد عمر الثورة هو أن المجتمع استطاع بنفسه أن يتخلص من سطوة استخدام الدين في السياسة، وهو بالمناسبة ليس ضاراً بالإخوان فقط، وإنما بالأجهزة الأمنية التي رعت وبنت خلال سنوات ما يشبه "التنظيم الديني"، ولعل التوصيف الأفضل "مؤسسة دينية غير رسمية" تجمع حولها مريدي نزعة التدين من الهامشيين وفاقدي الثقة في المؤسسة الرسمية (الأزهر).

بالطبع لم ينحسر تأثير هذه الكيانات الدينية كلية بعد اصطدامها الأخير بالكتلة الحرجة، لكن صعودها المستمر تعرّض لضربة قاصمة، وبريقها، والثقة المطلقة فيها لم تعد فقط موضع تشكيك، لقد انتهت فاعليتها الجماهيرية إلى فترة طويلة، وحتى يعاد تركيب مفاهيمها بطريقة مختلفة تماماً.

تنامت الكتلة الحرجة لأول مرة، بعدما خرج منها الإخوان وانضمت إليها روافد أخرى تنتمي للطبقة الوسطى والوسطى الدنيا، كان معظمها من الأغلبية الصامتة، أو حزب الكنبة بحسب اصطلاح ما بعد الثورة. واستطاعت الكتلة الحرجة أن تتضخم إلى درجة فاقت جماهير تيار الإسلام السياسي، وأدى ذلك إلى انقسام هذا التيار وسقوط جناحه (الإخواني) الذي قبل منازلة الجماهير.

دفعت جماهير 30 يونيو -التي لم تعد من الناحية العددية كتلة حرجة- التيارات الدينية غير الإخوانية إلى الانسحاب من المواجهة، والذي تمثل في نصحيتهم لمرسي بقبول بمطالب 30 يونيو والدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة. بينما أدى تحدي الإخوان لهذه الجماهير إلى انهيار سلطة الجماعة، ثم تقوّض الجماعة نفسها نتيجة دخولها تحدياً مناقضاً للمبدأ الجماهيري الشعبوي الذي تأسست عليه، والذي جعلها تبدو في أعين من تعاطفوا معها كشخص مسه هياج عصبي بعد 30 يونيو، فتساوت في نظر الكثيرين مع الإرهاب وتخريبه، رغم أن الجماعة نجحت لعقود في تمييز نفسها عن التوجه المخرّب.

بعد 30 يونيو لم تعد هناك ثورة، أو بمعنى أدق لم تعد هناك "كتلة حرجة"، وفقدت الشعارات المعبرة عن هذه الكتلة زخمها وقدرتها، مثل "مكملين" و"الثورة مستمرة".

لم يكن هذان الشعاران، مثلاً، تعبيراً عن أزمة الثورة أو إحباطها، كما قرأتُ بعض التفسيرات والتحليلات، بقدر ما كانت تعبيراً إيجابياً عن قدرة هذه "الكتلة الحرجة" على المواصلة، وعلى تجديد دمائها والبقاء فاعلة ومؤثرة. لقد كانت المعارضة قبل 25 يناير دائماً مهمشة، ما إن تتعرض موجة مد لها للمواجهة حتى تتراجع سريعاً، ثم تأخذ وقتاً في إعادة تشكيل نفسها مرة أخرى، لكن قدرتها على الاستمرار واستكمال مسيرتها منحها ألقاً وخصوصية ثورية جذبت قطاعات من الشباب، حتى وصل المفهوم إلى منتهاه في 30 يونيو، عندما لم يصبح العدد حرجاً، لقد أصبح أغلبية وفرض نفسه.

حتى مفهوم "نعرف ما لا نريد" بكل جاذبيته النقدية فقد وهجه مع ترتيبات 3 يوليو وخارطة الطريق، وحتى مع خروج البرادعي من تحالف 30 يونيو لم يعد التعاطي النقدي وحده كافياً دون المشاركة.

تفكك تحالف 30 يونيو قبل الاستفتاء على الدستور كان سيمثل أزمة، وقد انتقصت بالفعل انشقاقات مثل خروج البرادعي، أو سحب (6 إبريل) تأييدها لخارطة الطريق، من قوة التحالف دون أن تسقطه، لكن تفككه ضرورة بعد الاستفتاء، وخطوة إيجابية من صميم التطور لابد أن يؤيدها كل من كان ضمن التحالف.
 
 وهنا لا يمكن لمفهوم "الكتلة الحرجة" إعادة إحياء نفسه، سيكون هناك يمين ووسط ويسار النظام، وداخل هذه المسارات يمكن لكل صاحب فكر أو توجه صياغة ما يمثل هويته السياسة، شرط أن يعي ضرورة توطيد الصلة بقطاع من الجماهير، فقد أصبحت المشاركة هي السمة السياسية الأولى للمجتمع بعد أن وسمته حالة "الغالبية الصامتة" عقوداً من الزمن، وخلقت نوعاً من المعارضة يعتمد على إحراج السلطة دولياً من أجل تحصين نفسه من بطشها.
هذه الصيغة انتهت، قوة وحصانة أي فصيل أو كتلة سياسية ستقاس بالتأييد الجماهيري، وليس بتعاطف الدول الغربية وضغوطها، وإذا كان الإخوان بكل جماهيريتهم وتماسكهم التنظيمي فشلوا بعد 30 يونيو في لعب دور الكتلة الحرجة التي تقف في طريق تشكيل نظام لا يستوعبها، فلن يستطيع تيار آخر لعب هذا الدور بعد ذلك في مناخ تسوده المشاركة، حتى لو لم تعجبك طريقة المشاركة، ولا الأفكار السائدة وسط ثقافة هذه الجماهير.

الجماهير هنا لاعب خطر أيضاً، عاطفي، ومنفعل، لأنه مجروح في عدة أسس، فهو يرى بلده معطلاً، والفرص مغلقة أمامه، ومستوى الخدمات في تدهور مستمر، لذلك تستميل الجماهير كلمات مثل "مصر حتبقى قد الدنيا" التي حلت محل شعارات الثورة الإيجابية مثل "ارفع راسك فوق انت مصري".

من الهام أيضاً أن نفهم أن هذه الجماهير تبنت نزعة التدين من قلبها كنوع من الاحتجاج على مبارك وأسلوبه، وأجرت تغيرات ثقافية كبيرة في حياتها طوال العقود الأربعة الماضية لتضع هذه النزعة في قلب حياتها، وقد أدى شعورها بالخذلان في برلمان الإسلاميين، ثم في رئاستهم، ثم صدمتهم في جنوح كل هذه الكتلة من الإسلاميين إلى الصدام والإرهاب إلى تزايد غضبها؛ لقد سبب كل ذلك أوجاعاً وغضباً لقطاع ممن دخلوا إلى عالم السياسة حديثاً دون خبرة، بعدما كانت أقصى معارضتهم أو تحديهم لمبارك، أو لحضور سوزان مبارك الطاغي في المجال العام أنهم/ن يطلقون اللحى، ويرتدون الحجاب، ويتابعون دورساً دينية على شاشات التلفزيون بدلاً من مشاهدة أكاذيب مفيد فوزي وخدم نظام مبارك.

هذه الشريحة الثكلى في أحلام استعادة العصور الذهبية التي داعبت خيالها عبر أحاديث الدعاة من عمرو خالد وصولاً لحازم أبوسماعيل، غاضبة بشدة، وكثيرون منهم لديهم الاستعداد للفتك بأي معارضة غير ناضجة تحتج على ما يقدم لهذه الجماهير باعتباره توجهات إصلاحية دون إبداء ما يعبر عن شعور المحتج وانتمائه إلى معاناة هذه الجماهير التي زادها إحباطها في الإسلاميين ألماً ووجعاً .

البحت عن هوية سياسية جديدة، وربط محتواها بتطلعات فئات معينة من الجماهير سيحدد من سيطفو على سطح عالم السياسة، وبأي أفكار سيطعّم خلطته السياسية في عالم ما بعد الاستفتاء على دستور نظام 30 يونيو-3 يوليو.

هامش:
(1) صدرت ترجمة عربية للكتاب عن دار الثقافة الجديدة، يستعرض الكتاب تاريخ علاقات الولايات المتحدة مع النظام السياسي المصري منذ تحالف السادات معها، وخلال عهد مبارك وحتى وصول مرسي إلى الحكم.
http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=egb197794-5210966&search=books

(2) راجع مقالنا عن الكتلة الحرجة: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=334562                                    

Wednesday, December 11, 2013

شهادتي عن "دولة مدنية"


 
يوم 16 فبراير 2011 تلقيت مع مجموعة من الكتاب والمثقفين دعوة من د. مي التلمساني للمناقشة والتوقيع على بيان يدعو لجنة التعديلات الدستورية التي كانت قد تشكلت برئاسة المستشار طارق البشري إلى تعديل المادة الثانية من الدستور وتبني رؤية دستور 1923 للمواطنة.
كان الحماس الذي ألقته الثورة في أعماقنا هادراً بحق، وكان ثمة توجس من أي خطوة أو التفاته صوب أي مسار. كان الجميع داخل وخارج الميدان يعيشون حالة التمركز في دائرة الميدان، وكأنها المربع رقم واحد، وهو ما جعل التفكير في مرجعية دستور 1923 عفوياً؛ كونه أول دستور مصري كتبه شعب مصر ليحكم نفسه؛ والارتكان إلى مفاهيمه كمنطلقات لتغيير يلبي طموحات الثورة أسلم من مواصلة السير على طريق نحتته التشوهات.
البيان الذي يعتبر نقطة انطلاق الدعوة إلى "دولة مدنية" حملت صيغته الأولى توقيع الكتاب: د. مي التلمساني، إبراهيم فرغلي، د. وليد الخشاب. وتم مخاطبة نحو عشرين من المثقفات والمثقفين في رسالة مشتركة على الفيسبوك لمناقشته والتوقيع عليه بين يومي 15 و16 فبراير. ولم تكن صيغته الأولى تحمل كلمة "نحو دولة مدنية" وإنما "علمانية".
كانت أولى المداخلات من طرفي حول الالتباس الذي قد ينتج عن استخدام كلمة "علمانية" -كتوصيف لما يدعو إليه البيان- ليس لدى المتدينين، وإنما لدى قطاعات كانت عازفة عن المشاركة السياسية وتحمست للمشاركة خلال أو بعد إطاحة الثورة برأس النظام. وكانت هناك رؤية أخرى طرحتها الأستاذة هبة الكرار ترى أننا مادمنا بصدد ثورة تصحيح فلماذا لا نحاول تصحيح المفاهيم، ونكف عن استخدام بدائل لكلمة "علمانية". وكانت كلمة "مدنية" تستخدم فعلاً كبديل، وذاع استخدامها في حقبة التسعينات وقت مناظرات التيار الديني والعلماني التي انتهت باغتيال د. فرج فودة.
كان هناك رؤية أخرى طرحها الأستاذ أحمد فاروق لفض الالتباس المحتمل، بأن يتم استخدام كلمة "مدنية" كونها مقابل أكثر قرباً لكلمة Secular، في حين أن علمانية هي المقابل لـ Laicism بالمعنى المطبق في تركيا وفرنسا.
على هامش هذه المداخلات المحدودة كان هناك تحفظ لدى القليل ممن خاطبهم البيان سياسياً لكنه لم يدخل إلى متن المناقشات، حيث قام أحد المواقع الإخبارية بنشر خبر مشوّه عن نية مجموعة من المثقفين إصدار بيان يدعو إلى "حذف الإسلام من الدستور" (1)؛ هكذا وصف عنوان الخبر ما يجري، وهو مخالف تماماً، وهو ما دفع بعدد قليل إلى تفضيل إرجاء طرح هذه الرؤية إلى ما بعد استكمال إسقاط النظام، لعدم توافق هذه الرؤية مع قطاع من عامة الشعب كانت الثورة هي أولى مشاركاته وتجاربه السياسية، ولاتزال الثورة بحاجه إلى دعمه ومواصلة مشاركته، ومثل هذه الدعوات المبكرة قد تعيد هذا القطاع إلى خانة الأغلبية الصامتة من جديد نظراً لحداثة عهد هذا القطاع بالأفكار السياسية.
بالنسبة لي، وأعتقد أنه لكثيرين من مجموعة البضع وعشرين مثقفاً ومثقفة الذين تم مخاطبتهم عبر الفيسبوك، لم تكن صورة التفاوض بين أهم الحركات الإسلامية (الإخوان المسلمين) وبين النظام ممثلاً في شخص اللواء عمر سليمان قد أخذت نفس القدر من الوضوح الذي أخذته عندما اتضحت معالم المقابل الذي حصل عليه أطراف التفاوض، حيث فرض الإسلاميون مسار الانتخابات البرلمانية أولاً على نتائج التعديلات الدستورية، وتكتلوا مع المؤسسة العسكرية في اختيار إعادة إنتاج النظام بعد تحسينات محدودة أهمها المشاركة في الانتخابات ببطاقة الرقم القومي، وقد وضعت التعديلات الدستورية لدستور 71 إطار هذه التحسينات السياسية التي تلبي رغبة الجماهير في المشاركة.
هذه الصورة لم تكن واضحة تماما لدى من وافقوا على البيان ومن تحفظوا؛ وكان عدد المتحفظين قليلاً جداً، لكني علمت من مي التلمساني أن الدافع وراء كتابتها البيان الذي أصبح مبادرة كان عبارة عن رد فعل لمتابعاتها لاجتماعات لجنة الحوار التي شكلها مبارك أثناء الثورة والتي خرج منها الإخوان المسلمين باتفاق بدا لها ضد الثورة وضد الحريات.
وقتها، وقبل اتضاح الصورة، تنازعني قلق شخصي من أن نكون قد بدأنا معركة قبل أوانها، في الوقت الذي دفعني فيه اقتناعي بأهمية الدعوة، وبحتمية مواجهة الجماهير التي لاتزال في بداية عهدها مع المشاركة أمام تضاريس الفكر السياسي الذي يطغى عليه الجانب الأيدولوجي في مصر إلى تبنيها والانحياز إليها.
إلى جانب الفيسبوك كانت هناك اتصالات مباشرة مع مثقفين آخرين مثل د. أمينة رشيد التي كانت قد اقترحت من جانبها أيضاً استخدام تعبير "مدنية" بدلاً من علمانية.
انطلقت الدعوة إلى التوقيع على البيان على الفيسبوك، وكان الإقبال كبيراً ومدهشاً جداً بالنسبة لي (2). كان هناك جوع وظمأ لمفهوم "المدنية" الذي طرحه البيان، تخطى دوائر المثقفين إلى كثير من متعلمي الطبقة الوسطى، وقد أخذت مي التلمساني المبادرة التي أطلقتْها إلى مستويات أوسع من الفيسبوك، الذي كان في أوج نشاطه منذ سقوط مبارك وحتى استفتاء مارس، حيث قامت التلمساني بالتواصل المباشر مع وسائل إعلامية عدة منها قنوات في التلفزيون المصري الذي كان يشعر بالخجل من فعلته وقت الثورة ويفتح أبوابه للجميع في تلك الفترة الانتقالية بين خروج مبارك واستفتاء مارس.

عززت التلمساني التواصل الجماهيري عن طريق جولة في عدة مدن من أقاليم مصر بالصعيد، أعتبرها من أهم وسائل نشر المفهوم وسوف أتطرق مرة أخرى بالإشارة إليها كتجربة ثقافية في حد ذاتها. إلى جاب ذلك تم إطلاق موقع للمبادة على الإنترنت ضم البيان الذي وقع عليه نحو 700 مثقفة ومثقف بين فبراير وإبريل 2011، وتضمن فيديوهات ومقالات تعريفية بالمفهوم وأهمية المبادرة (3).
ساهم نشاط التلمساني وعدد ممن تبنوا المبادرة في أن تصبح "مبادرة دولة مدنية" مفهوماً ديناميكياً يحركه أعداد كبيرة وقطاعات متنوعة من المصريين، ويستخدم كمفهوم لوصف تيار سياسي له مؤيدين متنوعي التوجهات عارض مشروع اختطاف تيار الإسلام السياسي للثورة والسلطة.
أود هنا أن أسجل بعض النقاط التفصيلية كجزء من شهادتي وعلاقتي بالمفهوم والمبادرة:
* كنت قد نشرت البيان على صفحتي بالفيسبوك لبعض الوقت بين يوم 16و 18 فبراير، وفوجئت بعدد الأشخاص الذين يتبارون للتوقيع عليه وهم في الأغلب أشخاص لا أعرفهم لكنهم اطلعوا على البيان من خلال خاصية (الإعجاب / لايك) والتعليق، وأعتقد أن كثيراً منهم من خارج مجموعة الوسط الثقافي والفني والصحفي الذي تصورت أن البيان يصدر عنهم ويستهدف حشد أصواتهم لتوصيل رسالته.
* كان هناك أيضاً سيل من التعليقات الرافضة بشدة وعدائية لمضمون البيان، وانعكست العدائية في تجريح لصورة "المثقفين" و"الفنانين" التي استخدمت لتعريف من هم أصحاب الدعوة التي يتضمنها البيان.
* من بين التعليقات كان هناك عدد محدود عبر عن عتب من بعض ثوار الميدان لعدم تقدير الظروف التي يعيشونها، ورجاء بتأجيل هذه الدعوة إلى حين إسقاط النظام، متبنين وجهة نظر متخوفة من توقيت الطرح.
* ما بين عدم استطاعتي التعامل مع صفحتي الشخصية باعتبارها صفحة عامة يكتب عليها أشخاص كثيرون لا أعرفهم، وحالة الجدل الحاد بين مؤيدي البيان ورافضيه، وعتب بعض أصوات الميدان قمت بتجميع الأسماء التي وقعت من خلال صفحتي، وتوصيلها إلى النسخة الرئيسية لجمع التوقيعات على صفحة د. مي التلمساني، وحذفت النسخة التي نشرتها كـ "نوت" على الفيسبوك، وقمت بمشاركة (تشيير) نسختي د. مي التلمساني والأستاذ إبراهيم فرغلي على صفحتي الشخصية وعلى صفحة جروب كنت قد أسسته يوم 19 يناير 2011 اسمه "من أجل لائحة مطالب للمصريين"، ليتمكن من يهتم بالتوقيع من خلال الرابط المنشور على صحفتي، ولاحظت أن نشر البيان على صفحة الجروب قد أثار مناقشات حادة أخذت طابع الاستقطاب والوعيد امتد لبعض الوقت حتى اقتراب موعد الاستفتاء والذي تم فيه انسحاب بعض المعارضين للبيان من الجروب مع وعيد بهزيمة رافض تعديلات لجنة طارق البشري.
* تابعت تطور انتشار المفهوم، وقراءة واستخدام الكثيرين له بفضول، وكنت أشعر بفرح أحياناً عندما أجد كم أصبح المفهوم مستقلاً وحياً بذاته، خاصة أنه أول مساهمة من نوعها من قبل مجموعة من المثقفين المصريين تخرج خارج دائرة الحلقات الثقافية المنعزلة التي وسمت النشاط الثقافي أثناء مد الإسلام السياسي في التسعينات وما بعدها، لتتواصل مع قطاعات أعرض من المجتمع بعد فترة عزلة بعيدة نسبياً. فمنذ سبعينات القرن العشرين يشهد الحضور الثقافي المصري تراجعاً لافتاً، دمغته محاولة اغتيال الأديب الكبير نجيب محفوظ، واغتيال د.فرج فودة، وتطبيق الحسبة على د. نصر حامد أبوزيد خلال التسعينات بعزلة شبه مطبقة، تراجع معها تأثير جماعات المثقفين خارج القاعات المغلقة إلى درجة مخيفة.
* تم استخدام مفهوم "مدنية" و"التيار المدني" من قبل قطاعات متعددة لملء الفراغ السياسي الذي شعر به غير المنتمين إلى صفوف جماعة الإخوان، التي استثمرت قوتها التنظيمية في بداية الثورة لجني رصيد استراتيجي كبير، أكبر من حجمها السياسي الحقيقي، مكنها من لعب دور الشريك السياسي الوحيد للسلطة العسكرية، وأغراها بالوصول إلى رأس السلطة، ثم الانقلاب الدستوري على الثورة للاستحواذ على السلطة كاملة.
* مقابل مرونة المفهوم التي منحته انتشاراً واسعاً تعرضت دلالاته لتمييع بالغ حتى أصبح في بعض الأحيان والاستخدامات بعيداً عن جذوره العلمانية، وأقل وضوحاً فيما يقصده من تحديث، وبات أقرب لمعنى التمدن والعصرية، وأصبح سهل الاستخدام للتعبير عن منطلقات مختلفة، تبدأ من أقصى طرف الحالمين بدولة حديثة، وتصل إلى أصحاب مصالح رجعية تقليدية؛ ومنهم منتمين إلى فلول النظام أو تابعين للدوائر الأمنية كان جل هدفهم كبح الصعود الإخواني.
* استخدمت الإخوان المسلمين تعبير "دولة مدنية" للترويج لمشروع وصولها إلى السلطة، وهو من أغرب الاستخدامات الانتهازية، فمن بين كل المفاهيم التي يسهل على التيار الإسلامي امتطائها، ومنها مفاهيم قومية، ووطنية، كان غريباً أن تسارع جماعة الإخوان إلى القفز على مفهوم "الدولة المدنية" خاصة أن "مناظرات التسعينات" كانت تشهد تمثيلاً قوياً من قبل جماعة الإخوان سواء من خلال المستشار مأمون الهضيبي كمسؤول رسمي في الجماعة، أو الشيخ محمد الغزالي الذي كان قد ترك الإخوان تنظيمياً ليخدم الجماعة من خلال العمل الدعوي فقط، وكانت مشاركات ممثلي الإخوان تعبر عن رفض للدولة المدنية، وتنادي بأن تكون للدولة مرجعية دينية أو هوية دينية حسب استخدام الهضيبي.
* بحسب ما استمعت إليه من مي التلمساني عن جولتها في مدن وأقاليم بصعيد مصر، وضعتها الجولة واللقاءات الجماهيرية في مواجهة مباشرة مع محاولات ابتلاع الإخوان لمفهوم "مدنية"، وأن رواج المفهوم، واستعداد الناس العادية لحضور ندوات تقام في مدنهم الصغيرة، وتفاعلهم المباشر والمفتوح مع وجوه جديدة من التيار العلماني، كان تغيراً كبيراً في الميزان الاستراتيجي الذي انتهت إليه حقبة التسعينات المثيرة، حيث حوصرت في نهاية التسعينات كل توجهات التحديث، وأصبح الصراع المجتمعي محسوماً لصالح التوجهات المتشددة مقابل الدولة العاجزة عن تحديث نفسها بما يلبي متطلبات قيامها بواجباتها. وقد استطاع تيار الإسلام السياسي عزل ومحاصرة جماعات المثقفين من خلال التكفير والحسبة، ما جفف أي إسهام مجتمعي لهم.
* في تقديري أنه يجب على التلمساني توثيق جولاتها في المدن والأقاليم باعتبارها تجربة خصبة تبين مدى انفتاح الجماهير التي دائماً ما تم تصويرها باعتبارها عازفة عن قضايا التحديث، وعن الاهتمام بأطروحات المثقفين.
* من تشكلات مفهوم "مدنية" خلال رحلته استخدامه باعتباره ليس فقط ضد الدولة الدينية التي يحكمها رجال الدين ويخضعونها لتفسيرات النصوص القديمة، لكنه أيضاً ضد هيمنة الدولة العسكرية. هذا المعنى إعادة صياغة للدلالة ترتبط بالخصوصية المصرية التي شهدت مشروعي تحديث كبيرين الأول على يد الضابط محمد علي وانتهى بحكم ملكي لعائلته حافظ على استمراره بأي شكل ولو تحت الاحتلال، والثاني على يد الرئيس جمال عبد الناصر الذي قاد الجيش ليكون المؤسسة الحاكمة ذات اليد العليا على كل أنواع الإدرات المحلية للدولة وعلى مجمل توجهات الدولة.
* التباسات مفهوم مدنية تعود إلى أن العلمانية والتي تعني خروج المفاهيم الدينية من المجال العام للدولة ليس لها جذور كافية في التركيبة الثقافية المصرية، وأن التحديث غير المكتمل الذي وسم مشروعي التحديث العلوي والناصري هو سبب عدم وصول المجتمع إلى تخليص الأنشطة العامة من الوقوع تحت تأثير المفاهيم الغيبية، وعدم تمكين المجتمع من جعل المفاهيم الغيبية قاصرة على علاقة الإنسان الروحية وبالتالي تخليص المجال العام من وجود قوى عليا مهيمنة عليه.
* يحتاج التحديث إلى حركة إصلاح ديني ثقافي تكون جزءً من مشروع تحديث ثقافي أشمل يطال مؤسسات عديدة أهمها مؤسسات التعليم والبحث العلمي والاقتصاد والأمن والإعلام، ليكون الناتج نظرة إنسانية جديدة يتبناها المجتمع لنفسه.
* إن مفهوم "مدنية" بظلاله التي ترمي إلى التحديث والتمدن، وتجافي القبول بهيمنة عليا على منابع السلطة سواء كانت تستند إلى الهيمنة الدينية أو العسكرية، أنسب لدرجة التحديث المتعثرة في التجربة المصرية. والمفهوم بدلالاته الحالية أقرب إلى أن يكون وصفاً لمرحلة التحولات التي يمكن أن تفضي إلى العلمانية.
* إن حالة الفراغ والقلق لدى المجتمع المصري، الناتجة عن غياب مشروع ثقافي للتحديث، لا تعني استسلام هذا المجتمع لنقطة توازن قد تجسدها الصياغة التوافقية لمشروع دستور 2013 في حالة قبوله، أو حتى العودة لدستور 71 المعدل في حال رفض الجديد، فكلا الخيارين السياسيين لا يستطيعان الوصول بحالة القلق إلى درجة من القبول بالوضع. إن النجاح في إسقاط أكثر من حاكم فشل في تقديم مشروع تحديث مقنع للشعب - رغم كل وسائل التخويف التي استخدمت لردع الشعب عن مطلب التجديد- سيظل باعثاً على استمرار القلق الاجتماعي، وإعادة مساءلة المجتمع لنفسه، وليس بالضرورة أن يتخذ هذا القلق شكل الصدام مع السلطة السياسية ومظلتها الدستورية، وإن كنت أعتقد أن الحراك المجتمعي تحت مظلة دستور 2013 سيقلل من صدام المجتمع مع السلطة السياسية العليا ومظلتها الدستورية خلال غليانه وحراكه، ويضع المجتمع في مواجهة تفاصيل أدق وأكثر تعقيداً في عملية التحول التي يبدو أن حاجته إليها تغلب المكابح التي تستخدمها القوى التقليدية.

هوامش:
1) عنوان الخبر: مثقفون مصريون يريدون دستوراً لا ينص على أن الإسلام دين الدولة
http://www.masrawy.com/News/MidEast/Reuters/2011/February/16/3962688.aspx
2) نص البيان المنشور على صفحة د. مي التلمساني وأسماء الموقعين عليه:
https://www.facebook.com/notes/may-telmissany/%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AB%D9%82%D9%81%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%84%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%B1/10150097785789837
3) موقع مبادرة دولة مدنية، وعليه البيان بتوقيع نحو 700 مثقفة ومثقف عليه:
http://www.dawlamadaneya.com/ar/index.php

Tuesday, October 8, 2013

القفز في فراغ السياسة المصرية




نعلم أن قائد الجيش عبدالفتاح السيسي سيظل يلعب دور رجل الدولة الأول في مصر لفترة أطول من المرحلة الانتقالية، بغض النظر عن المسميات الوظيفية التي تناسب الدستور الجديد.

رسخ الفراغ السياسي الذي أحدثته ثورة 25 يناير، وعمّقه إنقلاب الإخوان المسلمين على الثورة طمعاً في الاستحواذ على السلطة منفردين، دور الجيش في ملء الفراغ السياسي، دون مطالبة الجيش كمؤسسة بإنهاء أسباب هذا الفراغ.

صعود السيسي، أو قفزته، إلى مرتبة الزعيم الشعبي لملء هذا الفراغ بشخصه لا بمؤسسة الجيش يرتبط بشروط أخرى، ناصرية الطابع غالباً، والمقصود بالناصرية هنا حركة تصحيح قوية لتوزيع الثروة، وإطلاق مشاريع إقتصادية كبرى تحرك الإقتصاد، وتقوم بحراك اجتماعي وتوزيع للثروة على شرائح الطبقة الوسطى الدنيا والطبقات الفقيرة والمعدمة، حيث يتركز أغلبية المخزون البشري المصري، وهو ما يستدعي عداء تلقائياً من الدول الرأسمالية.

بدون هذا المسار يظل السيسي قائداً للجيش، المؤسسة الأهم في مصر، لكن دون أن تزيد أسهمه عن ذلك القدر خطوة.

السيسي يعلم أن الترحيب الشعبي بدور أكبر له قائم، لكن استمراره مرهون بالمرور في مسار إصلاحي جذري، وهو ما لا تتهيأ له عوامل عدة منها البيئة الدولية، والوضع الإقتصادي المصري نفسه.

استغرقت ثورة يناير وموجاتها أطول من اللازم دون أن ترسي على بر، وكان للإخوان المسلمين دور سلبي للغاية في تعميق الفراغ السياسي، وليس فقط تركه يراوح مكانه، ما سمح لتناقضات البيئة الإقليمية والدولية بالقفز لملء هذا الفراغ، وإضافة تناقضات مصالحها إلى التناقضات الداخلية، وتم استهلاك جزء من احتياطي الرصيد المالي للدولة دون وجود سياسة تنموية واضحة تلقى رضا أغلبية الشعب التي ثارت من أجل العدالة الاجتماعية. ودون فتح حقيقي لمجالات الحراك الاجتماعي، فظل مركز الفراغ نشطاً يتمدد.

تمثل الإمارات والسعودية ومن ورائهما الكويت رأس حربة لكتلة إقليمية فاعلة، يهمها عدم صعود نظام إخواني على رأس السلطة في دولة بحجم مصر ومكانتها التاريخية وثقلها المعنوي. هذه الكتلة ليست على تعارض مع المنظومة الأميركية والغربية، بل العكس، لكن المنظومة الغربية نفسها تبدو حائرة في سياستها، خاصة مع تنامي علاقتها بالإخوان من مجرد الحذر إلى التعاون والشراكة والطمع في استغلال إمكانات التنظيم الدولي خارج مصر، والحاجة إلى ميليشيات تقاتل لتمرير الغاز القطري عبر الأراضي السورية إلى أوروبا، لمنافسة الغاز الروسي، وتهديد أحد أهم الموارد المالية الروسية.

التحالف الخليجي مع النظام السياسي المتولد عن حركة 30 يونيو التي أطاحت بالإخوان، ليس مفهوم الأبعاد حتى الآن.

لا تريد الأنظمة الخليجية التقليدية التي تقوم على تحالف بين عائلات حاكمة وبين رجال الدين الوهابي أن يسيطر على مصر نظام يقوم على الجمع بين الشرعية الدينية والشرعية السياسية معاً، فيهدد ثنائية الشرعية القائمة هناك. لكن ماذا بعد؟

عن ماذا سيسفر الشكل الجديد من التحالف والدعم الذي قفز بقوة إلى ساحة السياسة في مصر، وقتما سيطر عليها الفراغ كلية.

لم يكن الإخوان انتحاريين فقط عندما اختاروا مواجهة 30 يونيو بالقوة ورفض المساومة السياسية، كانوا أيضاً يستهدفون تعميق الفراغ بتصعيد الصراع إلى مستويات من العنف تشرخ تحالف 30 يونيو، وهو ما تحقق بانفصال البرادعي عنه، وما نتج عن العنف من ارتدادات، مثل محاولة بعض التجمعات الثورية إيجاد صيغة تفصلهم عن طرفي الصراع التقليديين تحت مسمى "الطريق الثالث"، وهو ما يعني عملياً الانفصال عن تحالف 30 يونيو.

قد لا يصل الانفصال عن التحالف إلى مناهضته، لكن يمكن أن يشتبك المنفصلون في صراع معه في محطات لاحقه، إن لم يستطع تحالف 30 يونيو توليد سياسات تملأ الفراغ السياسي.

من ناحية أخرى ليس منطقياً، ولا متوقعاً، أن تدعم السعودية والإمارات والكويت نظاماً يتبنى سياسات إصلاحية جذرية، تؤدي إلى إعادة توزيع الثروات وإطلاق حالة جماهيرية شعبوية. قد يدعموا بكثافة نوعاً من التنمية الاستهلاكية، أو اقتصاد الخدمات، ليتسق الدعم مع مجالات عمل الشركات الخليجية الكبرى التي تضخم رأسمالها بدرجة تحتاج إلى فتح أسواق استثمارية أخرى، لأن الدول الغربية لا تفتح أبوابها أمام الاستثمار في مجالات صناعية حساسة؛ لا يرحب الغرب بحضور غرباء فيها!

بمعنى أن الداعم الإقليمي لن يمكّن أي من اللاعبين المحليين من ملء الفراغ كاملاً، لكنه سيراهن بالدرجة الأكبر على مؤسسة الجيش التي حجزت مقعداً دائماً وحق فيتو في أي خريطة طريق سياسية تمضي فيها مصر لسنوات مقبلة.

تبدو الوضعية الاستثنائية مريحة لقادة الجيش، فهي تضمن كل ما كانوا يتمتعون به منذ يوليو 1952، دون أن تلقي عليهم عبء التنمية الاقتصادية التي أهلكت شعبية الرؤساء ذوي الخلفية العسكرية من قبل.

وضعية الشريك الضامن في الحكم مريحة لقادة الجيش، تبقى فقط عملية العثور على شركاء أقوياء يتولون الحكم المدني، ويتبادلونه، بطريقة لا تقسم البلد فتنتقص من قوتها الاستراتيجية، كما فعل مرسي، ولا تخذل تطلعات الجماهير إلى درجة تستدعي عودتها إلى الشارع وإسقاط النظام كلية، خاصة أن هذه الجماهير أبدت من الشجاعة والاستعداد إلى العودة في مدى قصير جداً ما لا يجعل أحداً يراهن على الاستخفاف بها.


من هنا يبدو حمدين صباحي وأبوالفتوح الأقرب للتنافس على الدور المدني في هذه الشراكة، لكن المسألة هذه المرة ليست أشخاصاً بقدر ما هي طريقة ووسيلة لملء الفراغ السياسي القائم، وشد الناس إلى العمل ضمن مشروع قومي لإعادة بناء البلد. وبذلك تتحرك كرة الفراغ السياسي إلى ملعب القوى السياسية المدنية.

لن يمثل أبوالفتوح الإخوان، بقدر ما سيجمع بقايا من تربوا وعاشوا على حلم الصحوة الإسلامية، ولايزالون يحلمون باستعادة أمجاد ماض لا يربطه بالحاضر سوى شعور صاحبه الداخلي بالتدين والإيمان.

ولن يطلب مؤيد صباحي منه أن يمثل عبدالناصر، بقدر ما سيطلب منه لعب دور رجل الدولة الذي لم يتمكن البرادعي من لعبه، بالتحالف والتعايش مع بقية مكونات تحالف 30 يونيو، إضافة إلى اللاعبين الذين قفزوا إلى الساحة مستغلين الفراغ السياسي فأصبحوا جزءً من التركيبة.

سيكون مطلوباً من صباحي اللعب والمناورة السياسية مع كل ذلك وفوقه أميركا والغرب وليس الصدام  مع هذه القوى، وفي الوقت نفسه دون الإخلال بطموحات الجماهير في تنمية شعبية

لم يعد هناك مجال للعمل تحت شعار "نعرف ما لا نريد"، ولم يعد ملء الفراغ السياسي المصري حكراً على الشارع وجماهيره، لقد قفز شركاء إلى الملعب، وأصبحت بعض الأدوار مرسومة بالفعل ولا يمكن تجاوزها (الجيش واللاعبون الإقليميون مثلاً)، بحكم ضعف الاقتصاد، أو بحكم ضعف السياسيين وعدم قدرتهم على طرح مشاريع سياسية تتنباها الجماهير وتتمسك بها.

لاتزال حصة السياسيين المدنيين موجودة، ودورهم مطلوب، لكن لم يعد مقبولاً منهم مواصلة اللعب بأسلوب "نعرف ما لا نريد"، وإلا ستتحول المعارضة إلى الحالة الكارتونية التي كانت عليها أيام ما قبل 25 يناير.

أما الإخوان فلا تتجاوز حالياً طموحات التنظيم الرسمي مسألة استغلال الأجيال الشابة في عمل اضطرابات وقلاقل تؤدي إلى الإفراج عن القادة، وإلقاء القبض بدلاً منهم على القيادات الوسيطة وتحت الوسيطة، ليعود الأمر كما كان قبل ثورة يناير، وهو هدف وليد لفراغ سياسي وفكري كبير غرقت فيه الجماعة.

وللأسف لم يعد البرادعي رمزاً، لم يعد "البوب"، وإنما البرادعي فقط! وعليه القيام بقفزة مزدوجة، الأولى يعود بها إلى رمزية "البوب"، والثانية يلعب فيها دوراً سياسياً مقبولاً من الجماهير، لكنه للأسف ربط رمزيته بنبوءة فشل تحالف 30 يونيو ونجاح عنف الإخوان في إجهاض التحالف، وهي نبوءة لا يمكن حتى لمؤيديه تمني أن تتحقق.

Saturday, October 5, 2013

قصة من أوراقي القديمة: عود ثقاب بارد ليلاً

عود ثقاب بارد ليلاً
 
 
(نشرت في جريدة الحياة 25/11/1994)
 
 
كانت الليلة الأخيرة قبل ترحيله، مشينا من ميدان التحرير حتى ميدان رمسيس. أخفى كل منا ابتسامته عن الآخر ونحن ننظر إلى العساكر الذين يجرون في الميدان وراء الميكروباص. بعد خطوات علق شارحاً: "العساكر كتير لأن النهاردة الجمعة، وفيه اجازات كتير".
استمر المشي. كنا نتحدث عن آخر أخبار كرة القدم، وعن استعداده للترحيل، وطلب مني أن أذكره بشراء ورنيش لتميع حذائه العسكري، فطلبت منه أن يذكرني بشراء لمبة لأن لمبة الصالة اتحرقت.
لم أنظر إليه طوال سيرنا.
تخطينا ميدان رمسيس ولم يدخل الفجالة حيث يسكن، قال في رجاء أخير: "أمشي معاك شوية وابقى أرجع". قلت له: "امبارح قرأوا الفاتحة، اتصلت بي قبلها وأغلقت الخط بعد دقيقة". لم يرد.
لمحته بسرعة، قصّر شعره لدرجة غيرت شكله تماماً، وأصبح قصيراً عما قبل. توقفنا وأشعلنا سيجارتين بصعوبة متوارين من الهواء في بعضنا، التقت عينانا بسرعة عندما رفع رأسه عن عود الثقاب ليجذب نَفَسَه الأول، بينما عبرت سيارتان مسرعتان.
طالما مشينا بعد منتصف الليل في شارع رمسيس، كنا نجري أحياناً وندخل في سباقات للمشي، عندما يخلو الشارع المزدحم نشعر بأننا نمتلك كل شيء.
وضع يده على كتفي قائلاً: "أنا راجع". عانقته لفتره ورأيت خلفه إعلانا مضيئاً بالنيون لمياه غازية يومض وينطفئ، كان الإعلان بعيداً، أبعد من الكوبري الذي يأتي بالسيارات من التحرير. ابتسم وأشار بأصابعه إشارة النصر فضحكت وسعلت وقلت: "تفتكر؟" ونظرت ثانية لإعلان النيون.
أسرعت خطوي متجاوزاً محطة البنزين التي وقف فيها ميكروباص ممتلئ بالجنود، منتظراً سيارة جيب سيزوكي من الطراز الحديث حتى يأخذ دوره. لم أذكره بشراء الورنيش ولم يذكرني باللمبة. التفت ثانية وأدركت أن الشارع خال من الناس. لمحت الرجل الذي يرتدي جلباباً مكوياً وحذاء لامعاً يخرج من شارع جانبي ويقترب مني. سألني كعادته كيف يمشي إلى باب اللوق؟ فقلت مضطرباً: "امشي على طول عشرين محطة" وابتعدت عنه، مشيت بسرعة ولم التفت، مرة واحدة رآه معي وسألنا معاً نفس السؤال بنفس الثبات وأجبناه بنفس الاستغراب.
لم أخبره بتكرار ظهور الرجل، كنت أريده أن يفهم وحده.
زادت برودة الليل وراودني إحساس بأن الرجل سيعود هذه المرة من خلفي، أسرعت وكنت خائفاً. تركت السيجارة تنزلق من بين أصابعي وهرولت، مرت السيارة الجيب بجانبي، سبقتني ثم مالت إلى جانب الطريق، وتوقفتْ ونزلتْ منها فتاة ترتدي تنورة قصيرة، كنت لا أزال أهرول مقترباً من السيارة، ودّعت الفتاة الشبان الثلاثة الجالسين في استرخاء، توقفتُ على بعد خطوات من السيارة بينما دخلت الفتاة شارعاً جانبياً فانطلقتْ السيارة ووجدتُ نفسي أجري بسرعة والهواء البارد يلسع وجهي، لم أر الفتاة إلا من ظهرها، هل قالت لي أحبك قبل أن تغلق السماعة؟ عاودت المشي حتى أعيد لتنفسي انتظامه، شعرت بجفاف في حلقي بينما مرت سيارة مسرعة، مرت سيارات أخرى مسرعة... هل هي...؟!
عندما اشتعل الثقاب اقتربتُ برأسي وهو كذلك، ولم يكن ممكناً تجنب التقاء عينينا.
ملتُ نحو شارعنا متجنباً الكلاب التي تقف عند الكراج، تخطيته بسرعة فنبح أحد الكلاب ثم رد عليه عدد منهم، لكني كنت وصلت إلى البيت، على السلم سمعتُ صوت القطط تقلب صفائح الزبالة فزعة من صوت أقدامي، ومرّت واحدة من تحت رجلي، فتحتُ الباب مضطرباً، ضغطتُ على مفتاح النور.. يوووه، نسيت اللمبة، اصطدمت ركبتي بكرسي فسرت رعشة في رجلي كلها.
توجهت إلى حجرتي بهدوء حتى لا أزعج أمي، رن جرس التليفون فرفعتُ السماعة،: "ألو" لم يجب أحد، كررتها "ألو.. ألو"، أغلق الخط، نظرتُ في الساعة فوجدتها الثانية بعد منتصف الليل. 

Thursday, September 12, 2013

ملاحظات على اقتراح استبعاد الأميين من التصويت



نشرت جريدة الوفد أول أمس خلاصة مناقشات واقتراحات القراء لتعديل الدستور، وبلغ عدد الاقتراحات الهامة التي تم نشرها ما يزيد عن دستة من الاقتراحات، منها ما يتعلق باستقلال البنك المركزي، ودعم الدولة للعاملين في القطاع الخاص الذين يخوضون معركة غير متكافئة مع رأس المال دون أي سند أو حماية، وفي ظل معايير شرسة لسوق يمتص عطاء العامل ثم يلفظه عندما يضعف أو عندما تتخلف قدراته عن متطلبات التنافس.
من الاقتراحات الجذابة التي لقيت تأييداً النص في الدستور على انتخاب المحافظين والإدارات المحلية. لكن من الاقتراحات التي استوقفتني، ووجدت نفسي أتجادل حولها مع أصدقاء وزملاء أكن لهم التقدير موضوع استبعاد الأميين من التصويت على الدستور، بحجة عدم استطاعتهم فهم النصوص المعقدة ودلالاتها، والتي يكون فهمها وإدراك دلالتها عند التطبيق صعباً على بعض المتعلمين أيضاً.
موقفي ضد الاستبعاد، لكن المنطق والفكر وراء تبلور قناعات بتأييد هكذا اقتراح أو معارضته، أهم من الموقف نفسه.
مبدأ وصاية المتعلمين على الأميين أكثر من خطير، وهو نفسه منطق وصاية الدائرة التي تحلقت حول قيادة ثورة يوليو سابقاً بحجة أنهم أدرى بمصلحة الوطن. وهو ما تطور بعد عهد ناصر الذي كان مدفوعاً بنزعة التحديث ومناطحة الغرب الاستعماري، وشد البلاد من قاع التخلف ونشر التعليم بسرعة لضمان قوة المجتمع، لينتهي الأمر بعد تلك الموجة إلى أن "الجهات السيادية" أو المخابرات وأجهزة الأمن القومي، هم الأدرى بمصلحة البلد. ولمن يخامره الشك في ذلك، ويدعو إلى موقف سياسي مغاير يقوم رجال أحد هذه الأجهزة القومية (وهو هنا أبانا الذي في مباحث أمن الدولة ) بكسر عنفوان الشخصية المعارضة وإخضاعها لسلطة الجهات السيادية.
من الحجج التي فاجأتني الاستدلال بأنه من الصعب الثقة في ناخبين صوتوا في استفتاء مارس بـ 77 في المائة لخيار تم تصويره على أنه يدخلهم الجنة وبالتالي يمكنه إصلاح أحوال الدنيا، هؤلاء لا يمكن الثقة في اختيارهم. ورأيي أنه بغض النظر عن عنصرية هذه الحجة، فإن تجربة الشعب المصري مع الصندوق كانت عظيمة بكل المقاييس لأن الكتلة الحرجة التي خرجت عن المسار التقليدي بالتصويت بنعم في الاستفتاءات في تزايد.
خير دليل على ذلك الفارق بين الـ 22 في المائة الذين قالوا لا في استفتاء مارس، والـ 35 في المائة الذين رفضوا دستور الإسلاميين؛ رغم عدم الثقة في أمانة نتائج هذا الاستفتاء الذي تم تحت إشراف الإخوان وبمقاطعة نسبة كبيرة من القضاة، فالمعارضة كانت أكبر من 35 بالمائة، وإلا لما لجأت إلى وسائل مثل "تمرد" واضطرت للعودة إلى الشارع في 30 يونيو لتكشف عن حجمها الحقيقي.
لقد قامت جموع عريضة من الشعب بالتوقيع على استمارات "تمرد"، والنزول يوم 30 يونيو و3 يوليو، لتصحيح مسار سياسي ظن من اختطفوه أنهم أوثقوا الحبل عليه بواسطة شرعية الصندوق. مثل هذا الناخب لا يمكن إهدار تجربته الفريدة والقوية ووأدها بحجة أن بين صفوفه قطاع لا يملك أحد الأدوات المعرفية وهي القراءة والكتابة، مهما بلغت أهمية تلك الأداة.
من الحجج التي سُقتها في النقاش، أن الناخب الذي يقبل ببيع صوته مقابل أن ينقله حزب في أتوبيس لمقر اللجنة الانتخابية، ويعطيه عصير وسندوتش أو أية منافع مادية (سلع تموينية)، هذا الناخب لا يقل احتراماً في نظري عن احترامي لمن ذهب ليبطل صوته ويكتب يسقط حكم العسكر وتجار الدين على بطاقة انتخاب عليها صورة شفيق ومرسي، كلاهما احتقر بطريقته اللعبة التي همشته.
ما الفرق في طريقة تعبير كل من هذين الناخبين عن احتقاره ويأسه من المؤامرة السياسية الدائرة حوله؟ الذي أبطل صوته قام بسب المتآمرين ويعلم أن بطاقة تصويته باطلة، والآخر حصل على منفعة (في الحقيقة هو مارس ابتزاز بنفس طريقة من يسرقون صوته) واستطاع أن يخرج من جيب هؤلاء الفسدة ما لا يخرجونه إلا عند الحاجة، وفي كل الأحوال هو يعلم أن صوته مجرد تحصيل حاصل من وجهة نظره، ووفق ووعيه السياسي بأنه مهمش ومستبعد ومتآمر عليه.
لا أبرر لأحد هنا، لكني ضد تعالي المتعلمين الذين يعتقدون أن إبطالهم للتصويت على طريقتهم الخاصة هي الطريقة الوحيدة للاحتجاج والسخرية السياسية من نظام يغتصب إرادتهم السياسية. من قال لك أن ذلك الشخص البسيط لم يسخر من ضعف هؤلاء المتحكمين في أموره وهم يعطونه منفعة مادية صاغرين من أجل الحصول على صوته؟ هل جربنا وسألنا أحد هؤلاء البسطاء؟ هل تحاورنا معهم؟
في كل الأحوال هذا شعبنا، هذه صورتنا وحقيقتنا؛ وأهم ما في هذه الصورة والحقيقة أن الفاشية المتغلغلة في ثقافتنا المعيشية كلها تزداد خطورة بين المتعلمين؛ الذين يبدون أكثر استعداداً لتأصيل وتقنين "حقوقهم" الفاشية في استبعاد الآخرين من غير المتعلمين.
فكرة منع الأميين من التصويت كان قد طرحها الكاتب علاء الأسواني، للأسف، وهي سقطة كبيرة في تاريخه مهما سيقت مبررات طرحها.
دور المتعلمين هو التواصل مع غير المتعلمين، شرح ما استغلق عليهم، فالأمّي تنقصه قدرة القراءة والكتابة لكن قدراته على التفكير والإبداع اليدوي والحرفي والوعي بمصالحه لا تتأثر أبداً، بل ربما تزداد.
الوعي السياسي بالمصالح موجود لدى الجميع، ما لا يعرفه بعض المتعلمين هو تدريب أنفسهم على الاستماع للبسطاء وفهم طريقتهم في الوعي بمصالحهم. وحجة أن الاستبعاد يقتصر على الدستور دون غيره من الاقتراعات الأخرى غير مقبولة، لأن المواطن الذي نسميه "مواطناً بسيطاً" ليس بهذه البساطة يا سادة، هناك 20 مليون شخص قاطعو الخمس اقتراعات التي تمت عبر استفتائين وغرفتي برلمان ورئاسة. أما من يشارك ويبيع صوته فهو جزء من اللعبة، ووعيه بها عميق بقدر قذارة اللعبة واللاعبين.
ببساطة إن الدعوة إلى إقصاء الشريحة الجماهيرية التي يستعين بها اللاعبون القذرون ليست إلا نتيجة فشل الطبقة السياسية في تحجيم هؤلاء اللاعبين، من خلال فرض أنفسهم وبرامجهم على الساحة، وطمأنة المحتاجين إلى أن مطالبهم يمكن تحقيقها من خلال الانحياز للطبقة السياسية غير القذرة. لماذا فشل السياسيون والنشطاء في إقناع المحتاجين الذين انحازوا لعبدالناصر يوماً ما بأنهم قادرون على بناء دولة العدالة الاجتماعية بطريقة أنجح من الطريقة الناصرية؟
أين النشطاء السياسيين من مخاطبة القطاعات الجماهيرية خارج ميادين الثورة والظهور الإعلامي؟ أين برامج محو الأمية التي تنظمها الأحزاب وتحشد لها المتطوعين؟
في مراحل التحول الديموقراطي تزداد أهمية الإعلام، ولا حجة للمتعلمين في ظل انفتاح المجال الإعلامي أن شخصاً مثل "توفيق عكاشة" يستطيع مخاطبة قطاعات جماهيرية بسيطة، فطريقة حكي المصاطب ليست حكراً عليه وحده، وهناك من لا يتجاوز أسلوبه الإعلامي مستوى المصاطب إلا من حيث بعض الحركات الاستعراضية الشكلية التي تعجب شرائح اجتماعية أعلى، لكن منهج تعاطيها مع الوعي لا يختلف كثيراً.
الثورة نجحت في خلق أدواتها الإعلامية ورصيدها الإعلامي، فالحراك السياسي والإعلامي الذي أفرز قنوات وبرامج وصحف وقبلها صفحات على الإنترنت، ومواهب مثل باسم يوسف، لا يمكن تأطيره أو تحجيمه، فكل محاولات حبسه تؤدي إلى تمدده وظهوره بطريقة إبداعية جديدة، وفكرة "تمرد" وتأثير برنامج باسم يوسف نموذجان جيدان لقدرة هذا الحراك على مفاجأة السلطويين.
لقد نجح الناخب المصري في تجاوز نفسه، وتصحيح خياراته، ولا يمكن لومه على ثقته في تيار الإسلام السياسي وسط فساد الحزب الوطني ونظام مبارك، ووسط غياب مفجع لطبقة سياسية فاعلة، وفي ظل تركيز كبير من شريحة الشباب التي قامت بالحراك السياسي على النشاط في المدن، بل والمناطق الحيوية من بعض المدن دون غيرها.
إن نجاح حملة إسقاط مجلس طنطاوي وطغمة مبارك، ثم نجاح حملة إسقاط الإخوان بعدما انتهجوا نفس السياسات يجب أن يكون مدعاة للثقة بالنفس، والثقة في الوعي الشعبي.
الطفرة التي قام بها وعي الناخب، والحراك الإعلامي الذي أفرز مجموعة من الإعلاميين ارتبطت متابعة الجماهير للثورة ببرامجهم، والتجربة السياسية الخصبة التي يعيشها الشعب منذ 25 يناير، كل ذلك لا يدعو إلى إقصاء أحد، بل إلى استكمال التجربة، وبذل المتعلمين مزيداً من الاهتمام بالتواصل مع غير المتعلمين، وتشجيع الأحزاب على اختراق الشرائح المهمشة والبسيطة، لا هجرها والحجر على إرادتها.

Sunday, August 25, 2013

الشرعية الدينية والغاز الطبيعي.. قطر وسوريا والإخوان

 
قطر هي ثاني أكبر منتج للغاز الطبيعي بعد روسيا، وصراعها الشرس ضد المنتج الأول لهذا الغاز بلغ من الدموية حداً فاق المأساوية كما نراه في سوريا.
تسعى قطر إلى مد أنبوب الغاز الطبيعي عبر أراضي السعودية والأردن ثم سوريا فتركيا، ليصل إنتاجها لأوروبا، فيحرر هذه القارة من تحكم الدب الروسي في واحد من أهم مصادر الطاقة التي يعتمد عليها غرب أوروبا في التدفئة.
نظام بشار الأسد هو المحبس الذي يمنع هذا التحول الكبير في الميزان الاستراتيجي بين روسيا وأوروبا. والإسلام السياسي تحت هيمنة الإخوان المسلمين وتنظيمهم الدولي هو السلاح الذي تضرب به قطر لتفتح الطريق أمام أنبوبها السحري.
تركيا تتخذ من نفس الأنبوب وسيلة لتحقيق حلمها عملياً هذه المرة بالانضمام الرسمي للنادي الأوروبي، الذي يبدو مستعداً للتخلي عن استعلائه على الأتراك مقابل تحريره من قبضة الروس على مصادر الدفء.
لكن الشرعية الدينية التي اعتمد عليها الإخوان في زحفهم نحو السلطة في البلدان التي شهدت، ولاتزال تشهد، تغيرات في بنيتها الإقتصادية والاجتماعية والسياسية أثارت قلقاً لدى دول الخليج البترولية الأخرى.
تعاونت هذه الدول من قبل مع الإخوان ككيان سياسي معارض، واستخدمته أو توافقت معه في محطات سابقة، لكنها توترت منذ منافسته لشرعيتها بهذه الوسيلة.
تعتمد أنظمة دول الخليج على توليفة محافظة، ترتكز على صيغة الإسلام السني التي تتحالف فيها المؤسسة الدينية مع النظام الحاكم وتمنح حكمه شرعية دينية مادام يحكم بأسلوب محافظ يتمسك بمجموعة من القيم والقوانين التي تكرس سيطرة عائلات معينة وأسلوب معيشة تقليدي وهيمنة ذكورية على مفاتيح الحياة، وفوق ذلك يضمن النظام الحاكم بقاء المرجعة الدينية كإطار فوق دستوري للمجتمع كله.
وصول الإخوان إلى السلطة، ووجودهم المؤثر في دول الخليج على مدى عقود بدءاً من أواخر خمسينات القرن العشرين كان جرس إنذار للأنظمة الخليجية بإمكانية سحب بساط الشرعية الدينية بتوليفتها القائمة من تحت أقدام أنظمتهم، ووجود فرصة لمنح شعوبهم نفس المضمون المحافظ لكن ضمن توليفة سياسية أخرى لا تعتمد على تحالف رجال الدين ورجال السياسة، وإنما قيام رجال التنظيم الإخواني بلعب الدورين معاً الدين والسياسة
.

صورة من فيديو بثته الجزيرة لشخص مصاب من الإخوان وعندما تم كشف بطنه تحت بقعة الدم تبين زيف ادعائه وأنه غير مصاب



تمكنت مساعي الإمارات والسعودية من الإسهام في فرملة الاندفاع القطري نحو تعميم نموذج وصول الإخوان إلى الحكم في بلدان التغيير العربي، لكنها لا تقف ضد طموح قطر، خاصة السعودية، التي سينوبها من مرور الأنبوب القطري في أراضيها نصيباً من لعبة الثقل الاستراتيجي الجديد عندما تحصل أوروبا على احتياجاتها من الغاز عبر هذا الأنبوب.
من جانبها لا تشعر قطر بتهديد كبير من فكرة الشرعية الدينية على الحكم، فالصعود الاستراتيجي والاستقواء بالغرب وتخفيف وطأة الروس وتقليص نفوذ غازهم الطبيعي كفيل بحماية النظام القطري في وجه أية عواصف، خاصة أن الشعب القطري نفسه خارج المعادلة، ولا يوجد غير تنافسات الأجنحة داخل العائلة المالكة، ولا يمكن لهذه التنافسات أن تكتسب أهمية دونما دعم الغرب.
في هذه المعركة لا يوجد شيء نبيل بالمرة.
كان بإمكان الروس ألا يوفروا غطاء بلا حدود لدموية بشار، وأن يستبدلوه فيحل شخص من داخل النظام محله ويمتص قدراً من الغضب الجماهيري، لكنهم ألقوا كل ثقلهم على سحق المعارضة بأشكالها المختلفة سواء من العزّل أو من المسلحين.
كان بإمكان الإخوان الاستمرار في تحالفاتهم التي بدأوا بها الثورة في مصر والتي كانت تجمههم بالليبرالين والناصرين وإئتلافات يسارية تحت مسمّى الجبهة الوطنية للتغيير، لكنهم اختاروا الانقلاب على هؤلاء، والرهان على من يساندونهم في القتال لحساب قطر والغرب في معركة سوريا: اختاروا التحالف مع أسوأ منتجات الإسلام السياسي ممثلة في الإرهاب والتكفير.
كان بإمكان قطر الرهان على دعم حركات معارضة مستنيرة، لكن هيهات.
الكل اختار التطرف، أو لم يكن يملك القدرة على تطوير أطماعه لتستوعب فكرة وجود شعب، وحركة جماهير، وأحلام الناس.
بعض الموالين لأميركا يقولون إن الظل المصري على ما تبقى من الثورة السورية ضار، يقصدون ظل عاصفة 30 يونيو التي أطاح الشعب فيها بقبضة الإخوان المسمومة عن التحكم في مصر وعن اختزال ميزانها الاستراتيجي في مجرد عصابات إرهابية. الظل السوري، المصبوغ بلون الإرهاب له أثره أيضاً على عاصفة 30 يونيو، لقد شجع الإسلاميين المصريين على الغرور والعجرفة، لا شك.
تستبعد هذه الصراعات والطعنات الدولية والإقليمية الإنسان؛ ذلك الوافد الجديد على الساحة السياسية بعد عقود من الصمت. لقد خرج بحثاً عن كرامته، وحريته، وعدالة اجتماعية تدعمه في مواجهة الاستهانة باحتياجاته الأساسية في الحياة.
أميركا دعمت تقديم صندوق انتخابات لهذا الإنسان، ليظل بعدها حيراناً يدور في ساقية الانتخابات يلتقط الفتات من سياسيين سرعان ما سال لعابهم على لعبة التحالفات الدولية.
وقطر حولته إلى وكيل لحروبها من أجل المال والنفوذ.
والإخوان، أسوأ ما حدث لنا في العصر الحديث، تاجروا بأحلام الناس من أجل أوهام تمكين التنظيم الدولي، والارتماء في أحضان الأميركيين وتحت مظلة الغرب.


Thursday, August 1, 2013

في فضائل عصر الليمون



لم أكن ضمن هذه الفرقة، وإن أعجبني التعبير وقتها، لكن -أعتقد- أن هذا التوجه هو ما منع مصر من الانزلاق إلى ما يعرف بسيناريو الجزائر.
لم يعترف النظام الحاكم في الجزائر بنتائج الانتخابات التي فاز فيها الإسلاميون، واستخدم الجيش والشرطة لقمع المحتجين على إلغاء نتائج الانتخابات. وقد منح ذلك شرعية كبرى وقتها ليس فقط للعنف، وإنما لتعاطف كل شخص غير راض عن أداء الحكومة والنظام السياسي مع خصومهم، وقد احتاج الأمر إلى دورة طويلة من العنف والدم لنزع هذا التعاطف والوصول إلى نقطة توازن اجتماعي.


من المعروف أن الإسلاميين كانوا سيفوزون في أي انتخابات في العالم العربي نتيجة عدم الرضا عن الأنظمة الوريثة لحقبة ما بعد الاستعمار. مستويات الثقة كانت شبه معدومة في هذه الأنظمة بمختلف أشكالها ومسمياتها في المنطقة.

 وقد سجل تيار الإسلام السياسي في مصر نتائج كبيرة في الاقتراعات التي تمت بعد ثورة 25 يناير كما هو متوقع، وارتكب المجلس العسكري بقيادة طنطاوي جريمة بتسهيله الذهاب إلى صناديق الاقتراع ليجيب الناخبون عن أسئلة أراد الإخوان المسلمين أن تكون موضوع الاقتراع، وهو ما كان يعرف بتوجه "الانتخابات البرلمانية أولا"؛ تم ذلك في ظل عدم وجود خبرة حزبية للقوى السياسية التي صنعت الثورة وقدمت التضحيات من أجلها، وغيرت الواقع السياسي برمته، وبدون وجود وثيقة حقوقية تمثل ضمانات لمبادئ ومعايير لا يمكن المساس بها.
وصول تيار الإسلام السياسي للسلطة كان حتمياً في الدول الرئيسية في المنطقة، خاصة مع النجاح الاقتصادي لتجربة أردوغان في تركيا وتردي أوضاع التنمية في هذه الدول. المشكلة كانت في كيفية وصوله إلى السلطة بطريقة لا تغلق باب التجربة الديموقراطية، ولا تسمح بتغول هذا التيار وتمكين أطماعه، ولا تفتح باب الاحتجاج على وصوله بشكل يدخل البلد في دوامة من العنف على الطريقة الجزائرية.
لم يكن هناك ضمانات، ولم يستطع مجلس طنطاوي أن يكون أهلا للثقة التي وضعها فيه غالبية المجتمع للإشراف على العملية الانتقالية، وكان أردأ ما فعله هو استحواذه على السلطة التشريعية بعد سقوط البرلمان بدلا من ترحيلها للمحكمة الدستورية، ومفاوضته على تسليم هذه السلطة لمحمد مرسي مقابل خروج آمن لطنطاوي وزمرته الذين كانوا موضع استياء جماهيري كبير
 

عصر الليمون كتوجه لدى قطاع من الناس، ومعه صيغة مشابهه تعرف باسم "حزب التيار المحتار" أتاحا إجهاض فكرة المظلومية التي يبني عليها تيار الإسلام السياسي أسطورته منذ صدامه مع دولة الاستقلال في الخمسينات والستينات. لقد منح التأييد على مضض ثم العودة لسحب هذا التأييد والتمرد على احتكار الإسلاميين للسلطة مساحة أمان اجتماعي تعزل خطاب المظلومية عن أي جمهور خارج دائرة المنتمين أيديولوجيا لتيار الإسلام السياسي.

 لا أقول ذلك دفاعاً أو هجوماً؛ وإنما كمحاولة استيعاب تجربة تاريخية بمعنى الكلمة. أعتقد أن فهم رحلة تحولات عاصري الليمون والتيار المحتار بوابة هامة لمعرفة الكثير عن الشخصية المصرية الآن.
 

Monday, July 22, 2013

أصحاب الأخدود في رابعة العدوية: السلطة أو لا أحد!

سيد قطب
 
مع وضوح رد فعل الإخوان على 30 يونيو اتردد سؤال هم الإخوان حيكسبوا ايه من معاداة الشعب؟ وهم كده يعني ممكن يحققوا ايه بعد ما كرّهوا الناس فيهم؟
وتم استخدام وصف "طايفة" للإشارة للعقلية بتاعة التنظيم اللي بيعتبر أفراده طايفة ناجية والباقي غير كده. مع تمادي مواجهاتهم مع الأهالي بتتضح تفاصيل العقلية اللي اتربت على مفاهيم كتاب "معالم في الطريق"، تقريبا هو الروح اللي ورا كل تصرفاتهم حاليا، وهو الرابط الل
ي خلا الإخوان والجماعة الإسلامية يتماسك تحالفهم لآخر لحظة من وجودهم في الحكم وانفضاض بعض السلفيين عنهم. الحقيقة ان الكتاب نفسه رغم انه مش مقرر ضمن الإعداد الثقافي للإخوة إلا في مراحل متقدمة من الترقي إلا إن أفكاره تم تشربها من قبل جيل القيادات الحالي، القيادات العليا أو الوسيطة متشرباه جدا خاصة إنه كان جزء من دراستهم في السبعينات والتمانينات ويمكن لأول التسعينات، بعد كده مع انتشار التنظيم عدديا تم قصره على "النخبة" اللي قامت بنقل محتواه بوسائل مختلفة ومبسطة، نظرا لانخفاض القدرات اللغوية عند الشباب.
فكرة كتاب "معالم في الطريق" قايمة على ان بعث الماضي المجيد يحتاج لمجموعة مؤمنة على نفس الطريقة بتاعة الصحابة، الطريقة اللي بيتصورها الكاتب، إنهم كانوا مطيعين جدا لأنهم كانوا بيتلقوا التعليمات عبارة عن آيات قرآنية بتتنزل؛ وهم بيطبقوا. فصول الكتاب بتعالج بعض الزوايا أو المحطات اللي حتقابلها المجموعة المؤمنة دي لما يعاد استنساخها في العصر الحالي، ومنها انه حيقابلهم سؤال: ايه هو المشروع الإسلامي؟ واظرف رد بيقوله سيد قطب اننا مش محتاجين نجاوب ايه هو المشروع ده، احنا محتاجين بس نوصّل الدعوة/ أو الموقف انه يبقى فيه مجتمع وحكومة بتحكمه موافقين من حيث المبدأ على المشروع الإسلامي اللي هو الحكم الإلهي؛ موافقة على بياض بنفس الفكرة بتاعة تلقي الصحابة للآيات المنزّلة دون مناقشة؛ فقط للتطبيق.
من المحطات اللي بيعرضها الكتاب - شخصيا كانت بتعجبي لما درست الكتاب وانا مراهق، وقت ما كنت بانبهر بأفلام الأكشن وبطلت أشوف سينما علشان حرام!- تمثّل هذه المجموعة المؤمنة الحديثة لقصة أصحاب الأخدود اللي وردت في سورة البروج، لما المجموعة المؤمنة في القصة تلقت خبر انها حتتحرق مع بعضها في حفرة كعقاب ليها على إيمانها بغير ما يؤمن به المجتمع، تلقوه بشكل عادي كجزء من "الطريق"، لأن أجسامهم اللي حتتحرق ملك لله، فطالما طريقهم إلى الله انعطف عند المنعطف ده وحتكون نهايتهم كلهم الفناء فهم حيتمسكوا بموقفهم واختيارهم -ليشعروا بلذة استعلاء الإيمان حسب كلام قطب- ويقبلوا الحرق، ولن يعتبروه هزيمة للمشروع، لأنه مشروع رباني وأكيد حيتم بناس غيرهم. ليه ما يعتبرهوش هزيمة؟ لأنهم -حسب كلام قطب- لو فكروا كده حيقبلوا بمساومات تضطرهم للمشاركة في السلطة، والمشروع كله انهم يحكموا لوحدهم لأن دي الطريقة لضمان ان حكم الله يطبق!
الفكرة طبعا ليها وجه تاني هو تهيئة النفسية بتاعة الأتباع مش بس لانتحار فردي لكن كمان لانتحار جماعي.
في ناس في التجمعات الإخوانية (اعتصم رابعة مثلا) قاعدين علشان دعم مرسي ولأنهم بياكلوا ببلاش، دول مش أعضاء في الجماعة دول أنصار أو "منتسبين"، العضو العامل هو اللي بيتشرب الفكرة بتاعة أصحاب الأخدود. الاستعداد للتضحية إلى هذا الحد، والانفصال الكامل عن أي خطاب أو مشترك بينهم وبين المجتمع، وأي صلة بينهم وبين التاريخ ومراحله، لأنهم بيعملوا "تصفير لعدّاد الزمن" وأي استشهاد بموقف تاريخي هو من قبيل البراجماتية البحتة علشان يوصل معنى معين للشخص اللي بيكلمه، لكن الاستشهاد بالتاريخ لا يُلزم بتبني أي معنى لحركة التاريخ.
بصراحة المبتكَر الوحيد - في رأيي- في كلام سيد قطب هو انه وصل التابع لدرجة تهيئة يتساوى فيها انه يكون سادي وفاشي في إقصاءه لخصمه مع إحساسه بإنه يكون مازوشي إلى آخر الخط ويتقبل التعذيب والحرق حتى الموت.
طبعا واحدة من مشكلات قطب ان ما فيش قرآن بينزل، لأنه نزل، وانما اللي بينزل هو تعليمات مكتب الإرشاد اللي هي مناورات سياسية، لكن لازم المناورات دي تاخد القالب المبدئي علشان تشبه حالة التنزيل، وتكون مدعومة بقصص تغازل الخيال الغيبي زي حكاية الأحلام والرؤى بتاعة جبريل اللي بيحكوها في رابعة كده. وطبعا في مشاكل كتير كتير، لكن أهم مشكلة حاليا ان في كتلة بشرية متشربة للكلام ده، ومتجمعة في حتة، وقياداتها (اللي بتنزل عليهم التعليمات) مجروحة لأنها داقت السلطة شوية والناس أخدتها منهم تاني، واللي "بينزلوه" دلوقتي هو تعليمات بالانتقام من الأهالي اللي اخدوا السلطة من القيادات أو ساهموا بخروجهم في 30 يونيو على تحقيق ده، وبالتأكيد إفشال اللي وصلت ليهم السلطة والانتقام الشخصي منهم لو أمكن.
طبعا في الحالة دي كل شيء مباح من الاستعانة بالقردة والخنازير بتوع الخارج لقتل وتدمير الداخل (الوطن)، لاستخدام النساء والأطفال دروع بشرية؛ كله عادي زي اصحاب الأخدود.

Sunday, July 7, 2013

عاصفة 30 يونيو: الإسلام السياسي والتحالف الجديد

 
الخروج الشعبي في 30 يونيو هو الأكبر من نوعه
 
 
إنكار الخروج الشعبي الذي فاق الثلاثين مليون شخص من قِبل قيادات تيار الإسلام السياسي والتركيز على دفع أنصارهم صوب الالتفاف حول مفهوم الشرعية يمهد لمفهوم آخر يتفاعل بقوة داخل أوساط مؤيديه، ليكون منطلقاً تأسيسياً لما بعد عاصفة 30 يونيو:" اليأس من ديموقراطيتكم وأفكاركم". إنه طاقة انزياح باتجاه النزعة الانتحارية؛ لكن الأخطر هو أن يدفع ذلك في المقابل إلى عودة الدولة الأمنية في أشد صورها، وأن يؤسس لحركة تعبئة انقلابية عنيفة بين الإسلاميين.
ضم التحالف الذي أطاح بحكم الإخوان قطاعات شعبية عديدة ومتنوعة الانتماءات، وشمل مؤسستين مركزيتين في الدولة: الجيش والشرطة، إلى جانب القطاع الإعلامي بكل رمزيته للطبقة الوسطى. إنه تحالف عريض ومركز قوته هو الكم والتنوع الجماهيري، لكنه لا يخل من رخاوة وعدم وضوح.
الطريقة التي تم بها التحالف جاءت نتيجة تراكم خذلان هذه الجماهير من أسلوب الإخوان، الذين ارتكبوا -مثلاً- بغباء منقطع النظير خطيئة استخدام جهاز الشرطة وإطاره القانوني المتمثل في النائب العام لممارسة نفس الأساليب الأمنية التي قامت ثورة 25 يناير ضدها. إن حركة الإخوان الممتدة لثمانين عاماً لم تسهم إسهاما واحداً في رصيد هذا البلد على أي مستوى، ولم تكن سوى وعد غير مفهوم بالتطهر، وبمجرد أن تبين أنه وعد كاذب أطاحت به الجماهير.
تراكم الشعور بالخذلان من ممارسات التكفير والتخوين، مع يأس كامل من طريقة إدارتهم الكاريكاتورية لمؤسسة الرئاسة، والانتهازية في تسيير مؤسسات الدولة والحكومة، ما أدى لإنقلاب كبير في المزاج الشعبي. لكن لم يتم الاتفاق بين مكونات هذا التحالف الجديد على شيء؛ خاصة ما يتعلق بعودة الدولة الأمنية التي لا تراعي حقوق الإنسان، ومنها حقوق المجرمين والضعفاء.
إننا ببساطة لا نعرف التكييفات القانونية المستخدمة ضد قادة الإخوان المقبوض عليهم حالياً مثلاً، ولا حدود العقوبات! وأهم من ذلك لا نعرف ما الذي غيرته التجربة في الدولة الأمنية
لم يغب فكر العنف عن تيار الإسلام السياسي أبداً، لكن تطلع أنصاره للسلطة مع الانكسار النسبي للدولة الأمنية الذي أحدثته ثورة 25 يناير، وسقوط أدوات القمع كدرع للسلطة والدولة، أدى لإقبال قطاعات ممن آمنوا بمنهج العنف وسلكوه على ساحات المنافسة السياسية على تأييد الجماهير.
إلا انه رغم انقلاب الجماهير الكبير عليهم في 30 يونيو لا يعترف الإسلاميون بفشل التجربة، ولا بأن الصعود السريع للسلطة خدّرهم عن تطوير أدواتهم وخطابهم بما يضمن البقاء في لعبة التنافس على تأييد الجماهير.
كان التنافس صعباً على فكر تخمّر ببطء في عالم موازي لمجالات الحياة، لأنه يدعو إلى رفضها واستبدال صورة أخرى بها بدلاً من التفاعل معها والتأثير عليها والتأثر بها.
من هذه العزلة وعدم امتلاك أية خبرة بإدارة سلطة دولة، وطمع انتهازي كبير، ومبالغة في استخدام أدوات التكفير خسر تيار الإسلام السياسي معظم رصيده الذي بناه لدى الجماهير في عقود؛ خسره كمن يفلس على طاولة قمار، لكنه وجد في أحد عناصر إجراءات تطبيق الخسارة عليه ما يمكن أن يشعل فتنة تنفجر في من واجهوه بالحقيقة، ووجد في هذا العنصر (الإنقلاب على شرعية الصندوق) ما يمنحه قبلة الحياة بعد تلك الخسارة الفادحة.
حشود غير مسبوقة أطاحت بحكم مرسي في 30 يونيو


ستجلب مواجهة تيار الإسلام السياسي مع المزاج الجماهيري المنقلب عليه نقمة شديدة، ستؤثر على قدراته بشكل بالغ، وأكثر من ذلك على نسيجه الفكري، وعلى منهجه بعد ذلك.
سيبني تيار الإسلام السياسي جلّ مفردات دعوته في المرحلة التالية على: الخيانة، الخديعة، العداء المطلق من الآخرين للدين، شرعية الإنقلاب رداً على إنقلاب؛ تدمير البنى الاجتماعية التي عجز عن إدارتها كالإعلام والقضاء وفكرة الدولة ومؤسساتها. سيبني نفسه على التدمير لا الدعوة، وهو ما يعطي مركزية لتيار يمثله تقليدياً الظواهري، لكن الصيغة لن تكون تماماً على شكل الظواهري. سيتم إحياء خليط من نزعة التكفير والهجرة، لأن محاولة الانفصال ولو بمدينة في الجنوب أو في سيناء ستكون على قائمة الأهداف. سيكون نموذج حماس صيغة واردة يسعون إليها.
من هم جمهور دعوة تدور حول فكرة تشبه التكفير والهجرة؟ فكرة القطيعة والعداء؟
باستثناء أنصاره الحاليين الذين يشاركون قادتهم المنهزمين الإحساس بالظلم سيضم: كل من لهم مشاكل مع الدولة، أو القوى السياسية الأخرى، أو عانوا من ظلم اجتماعي سببته طبقة أو سلطة أو إدارة. كل هذا جمهور محتمل ومستهدف، ولا يمكن حماية جمهور كهذا من الشكل الجديد الذي سينتجه تيار الإسلام السياسي إلى ببناء تحالف قوي، وقاعدة ثقافية تقوم على وعي حقوقي لدى المجتمع، وعدم استسلام لعودة الدولة الأمنية.
بالطبع ليس كل الجمهور المستهدف قابلاً للانخراط في نزعة التدمير، لأنها غير جذابة بطبعها. لكن هناك حاجة ملحة لبناء تحالف اجتماعي قوي يتصدى لهذه النزعة، التي لاتزال قيد التشكل، حاجة ضرورية وملحة.
هناك حاجة لأن يعرف كل منا ما بالضبط هذا التحالف الذي وجدنا أنفسنا فيه، بعد أن ضمتنا معاً تجربة مقاومة الفاشية باسم الدين.
التحرير 3 يوليو -2013  - تصوير: يوري كوزيريف
Photo: Yuri Kozyrev

نجاح مؤسسات الدولة التي حلت محل مشروع الحكم الفاشل لا مفر منه. لكن النجاح سيعيقه كثير من المعوقات والصعوبات التنموية، وأيضاً العداء، وفي كل الأحوال مهما كان ذلك النجاح ستظل الحاجة إلى مبادرة ثقافية تسبق هذه النزعة العدائية بخطوات.
لا يكفي الاتفاق الجماهيري الكبير الذي عكسته عاصفة 30 يونيو وخروج أكثر من 30 مليون مصرية ومصري (قدروا بـ 33 مليون)، سيكون تفكك التحالف مروعاً لو عادت الدولة الأمنية. وسيكون خذلان الجماهير مصيراً محتوماً لو لم يشعروا بتغيير حقيقي.
سياسياً لا يمكن تحميل الإخوان كل الشرور، والاستسلام للرغبة الانتقامية، فيحاكموا على جرائم نظام مبارك.
وسياسياً أيضاً علينا مواصلة الثورة لنصل إلى دور جديد للدولة وعلاقتها بالمواطن.
علينا أن نعزز من الدور الإيجابي للمؤسسة العسكرية، فتدفعها الثورة لتبني وجهات النظر الحقوقية. إذا كان الجيش يرى دوره كحامي للشعب وليس وصياً عليه، فالشعب بدوره هو الحامي له من الاختراق أو التمزق تحت وطأة الصراعات السياسية.
لابد من صياغة دور جديد للشرطة يلتزم بحقوق الإنسان، ويحميها، لأن مثل هذا الالتزام هو الحامي الأول لأفراد وكيان الشرطة، وليس القمع.
لابد من نفض مزيد من الغبار عن المؤسسة الدينية، ليملأ الأزهر تطلعات قطاعات عريضة من الناس إلى الدين كعنصر فاعل في الحياة.
نحتاج إلى تأسيس نظرة جديدة للأقليات.
لابد من مواصلة وتعزيز انفتاح الجماعة المثقفة والفنية مع الجماهير، لقد قدموا بمشاركتهم القوية في الثورة وميدانها، ومبادرة الدولة المدنية، وفعاليات الفن ميدان، وثورة الجرافيتي الرائعة، والأعمال الفنية، وصولاً لاعتصامهم ضد وزير الفاشية علاء عبد العزيز، قدموا تفاعلاً قوياً مع الجماهير بعد فترة طويلة من الانعزال، ومن العزلة التي فرضتها عليهم حملات التكفير التي كان الإرهابيون يشنونها كل حين على الكتاب والمبدعين.
الآن دور جديد للمثقفين، أكثر اشتباكاً مع هموم إنسان الثورة، لابد أن يحتل مكانه على أجندات العمل الثقافي. نحن بحاجة لحركة تنوير جديدة.
لن ينتهي الحديث عما نحتاج بعد عاصفة 30 يونيو، لأن التحالف الجديد غير واضح المعالم إلا فيما يتعلق بمقاومة الفاشية الدينية.
لا أمل لهذا التحالف في البقاء وبناء دولة تعكسه إلا تحت مفهوم الثورة مستمرة.                                    

حزب الكنبة نزل إلى الشارع وجرّد الإسلام السياسي من الجماهيرية