Saturday, June 22, 2013

هل الديموقراطية سيئة؟


بالطبع لو سلطنا الضوء على محمد مرسي كمنتَج من منتجات الديموقراطية لوجب أن يكون السؤال هل الديموقراطية سيئة إلى هذا الحد؟
لكن المشهد في مصر لا يتصدره مرسي ليكون محوراً للتساؤل، وإنما جماعة الإخوان المسلمين؛ لعل مشكلة مرسي نفسه من ناحية الأداء الشخصي عدم استطاعته تصدر أي ركن أو زاوية من زوايا المشهد المصري إلا على سبيل السخرية من أسلوبه وتناقض قراراته وأفعاله وركاكة سياساته وتخبطها.
سبب التساؤل هو التحذير الذي تضمنه تصريح السفيرة الأمريكية آن باترسون، من أن المظاهرات لن تخدم استقرار الديموقراطية؛ لو قالت باترسون هذا الكلام قبل عام لوجدت من يسمعها بطريقة أخرى، لا من يرد عليها بسؤال عن جودة وسوء الديموقراطية نفسها.
الخوف كان الناخب الوحيد في الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة، خوف الكنبة من تطرف الإسلاميين، وخوف قطاعات من داعمي ومؤيدي الثورة، مثل جيكا رحمه الله، من دولة مبارك. الخوف لم يكن مؤثراً على كتلة الإسلاميين التي تحركها دوافعها الأيديولوجية وتوجيهات التنظيم ومساوماته؛ إذا طلب منهم المقاطعة يقاطعون أو التصويت يصوتون، لا توجد دوافع لدى هذا النوع من الناخبين كالتي نعرفها.
عادة بعد أن يصل مشهد الخوف في الأفلام إلى ذروته، تحلّ ابتسامة، لكن الوضع تحول إلى سخرية مرّة، وعبث، فبسبب الخوف من الشخصية المرعبة تم إعطاء كل السلطة في الدولة لأول شخص تم الترتيب ليكون أول من يمرّ بجوار الكاميرا، وكان اسمه محمد مرسي!


لكن بعيداً عن الجزء الهزلي من المشهد، والذي انقلب كابوساً أفظع: هل الديموقراطية سيئة؟
في الحقيقة أغلبية الشعب المصري الفاعلة تتمسك بالديموقراطية، ومبادرة "تمرّد" هي في قلب عملية التمسك بالديموقراطية وعدم التضحية بها، وعدم التنازل عن مكتسباتها، بل إعادتها لمصدرها بعد أن تم اختطافها.
هل النظام السياسي الذي أسسه مرسي بواسطة الإعلان الدستوري نظام ديموقراطي؟ لقد وضع الدستور تحت حراسة الكتلة السياسية الإسلامية وحدها، وأغلق الطرق الشرعية لمعارضته معارضة ديموقراطية، معارضة تشارك في صنع القرار وبلورته، من خلال برلمان حقيقي، لقد أطاح مرسي بجوهر الديموقراطية، وظن أنه استكمل تأسيس نظام سياسي يستند إلى رئيس منتخب ودستور مستفتى عليه وبرلمان بديل، لقد شنق مستقبله السياسي كرئيس مدني منتخب عندما انقلب على أصوات من جعلوه رئيساً، واستند إلى خطة التمكين التي تصورت الجماعة أنها تفي شكلياً بتلبية مطالب الثورة بالديموقراطية.
الثورة هي الديموقراطية الكاملة، أو بتعبير الكاتب شريف يونس هي "الفعل الديموقراطي الأكبر". الثورة هي منبع الديموقراطية، هي أقصى درجات المشاركة، وأكثرها طبيعية وتخلصاً من قيود المال على الناخبين، وقيود القوانين ومناورات السياسيين وأحابيل الدعاية.
الثورة المصرية هي الأب والأم الشرعيان للديموقراطية في مصر. قبلها كان المواطن بحاجة إلى الدخول إلى عرين أقسام الشرطة ليستخرج بطاقة انتخابية، ثم يعود مرة أخرى إلى نفس الوكر يوم الانتخاب، ويمر عبر تجمعات البلطجية ثم الشرطة ليدلي بصوته داخل نفس الأقسام التي تسعى بكل الطرق لإحباط صوته، وهو يعلم أن صوته لن يحتسب في الأغلب، هذا في في حال أنه لم يقم ببيعه بنفسه مقابل إغراء أو التخلص من خوف.

لم تنجح ألاعيب الإخوان من أجل تلفيق نظام سياسي تكون المعارضة فيه صورية كما كانوا هم أيام مبارك. ألاعيب الإخوان تصوّرت أنه يمكن التحايل على حقوق التصويت التي انتزعتها الثورة بالدم والتضحيات، بالاعتماد من ناحية على كتلة المؤيدين، وإقصاء المعارضين بالتخوين والتكفير، واستمالة بعض الشرائح الضعيفة بواسطة تقديم بعض السلع والمنتجات التموينية، لتسديد متطلبات ما بات يعرف بـ "الصندوقرطية".
لكن أداء مرسي هزم نفسه، وأداء رئيس وزراءه لم يستطع إبقاء مستويات الصبر لدى الشرائح الضعيفة عند درجة تضبط الانفجار.
مبادرة" تمرد" هي تصحيح للانحراف الذي ألحقته جماعة الإخوان بالديموقراطية، تصحيح للوضع الكاريكاتوري الذي أنتجه إصرار الجماعة على وصول أي شخص منها لكرسي الرئاسة، حتى ولو كان "استبن" بديلاً طرح اسمه كسد خانة دون أن يكون مؤهلاً. في الحقيقة لقد بينت الأيام سريعاً أنه لو كان المرشح الأصلي خيرت الشاطر هو من وصل إلى الحكم لما اختلف الأمر إلا قليلاً، فخواء السياسات منع الجماعة من الوفاء بالحد الأدنى من المهمة في لحظة تاريخية كالتي نعيشها.
وضعية الاستبن وأداؤه المهزوز عمّق القلق، وسرّع من كشف الزيف. وأطماع التمكين أعمت أبصار أصحابها عن إدراك أن الديموقراطية لم تكن منحة منهم، لكنها منحة من الشعب لهم؛ شرط صيانتها.
ألم يكن باستطاعة السفيرة الأمريكية أن تربط بين نضال الشعب المصري من أجل انتزاع حقوق جماهيره في المشاركة وبين حركة الجماهير الأمريكية التي كانت منبوذة من المشاركة الديموقراطية في الستينات؟ ألم تجد في أي كتاب للتاريخ ولو شبهاً واحداً بين مطالب الشعب المصري الحقوقية، والديموقراطية الكاملة جزء منها، وبين مطالب شعوب أخرى؟ لماذا لم تفهم، مثلها مثل الإخوان، أن الديموقراطية في مصر منحة من الشعب رضخت لها السلطة شكلياً لكنها لاتزال تتحايل عليها، وليست منحة من السلطة المحلية أو من دولة عظمى؟                                    

Wednesday, June 5, 2013

النموذج التركي!

من فعاليات الاحتجاج التركية- 5 يونيو 2013


 
أعرف أن ثمة ارتباك حول ما يعنيه بالضبط تعبير "النموذج التركي"!
طوال سنوات حكم مبارك كان "النموذج التركي" حاضراً في خيال الطبقة الحالمة بالتغيير، كانت فكرة اقتسام بعض صلاحيات الرئاسة مع رئيس وزراء منتخب، وحصر الصلاحيات الرئاسية في مجلس عسكري وقصرها لتكون صلاحيات سيادية ققط تمثل نوعاً من الحلم في أواخر عقد الثمانينات وربما طوال التسعينات.
كان صعود نجم الدين أربكان كرئيس وزراء إسلامي تحت المجلس الرئاسي العسكري التركي نوعاً من الانفراجة فتحت باب الأمل لنموذج للتغيير يهضم مكونات الواقع الذي يشهد صعوداً للإسلاميين دون الوصول إلى هاوية الحكم الديني المتشدد الذي انزلقت إيران إليه.
انقلاب العسكر الأترك على أربكان وعدم قدرته على تطوير الخطاب الديني المتشدد أجّل الاحتمالات، وأعتقد أنه عزّز على نحو ما من فكرة تاجر بها نظام مبارك كثيراً إلى حد الإفراط في الخارج والداخل تلخصت في سؤال: وما البديل؟ لكن صعود أردوغان كوجه معتدل يغلّب البعد الإقتصادي هزّ شبح الخوف من التطرف باسم الدين.
كان عيب "النموذج التركي" حتى ذلك الوقت هو ذلك القلق الناتج عن تنازع سلطتي العسكر والمدنيين والذي شهد دورات إنقلاب عسكري ضد مدنيين علمانيين أكثر من الإسلاميين، لكن تعايش أردوغان ونجاحه المدعوم شعبياً من طبقة وسطى كانت ترى فرصاً كبيرة للتحسن الإقتصادي وضع الرئاسة العسكرية في زاوية ضيقة، حيث لم يعد أمامها سوى الدفاع عن الوجه الحداثي للدولة ممثل في علمانية النظام .

متظاهرات- 7 يونيو
وجد العسكر الأتراك أنفسهم على حافة السقوط بعد انتفاضات تونس ومصر واليمن وسوريا ضد حكام عسكريين كان من المعتقد استمرارهم، فسلّموا السلطة للبرلمان لينتخب رئسياً مدنياً لأول مرة للمجلس الرئاسي الذي ينتجه البرلمان حسب النظام التركي، رغم أن الأغلبية البرلمانية مع الإسلاميين بنسبة تفوق الخمسين بالمئة.
هنا أصبح لتعبير "النموذج التركي" مدلولاً آخر، وربما استخدم البعض تعبير "التجربة التركية" للإشارة للأداء السياسي المعتدل لإسلاميي تركيا وتعايشهم مع العلمانية. والتطور السياسي للسلطة العسكرية وقبولها بالحكم المدني الكامل.
لكن انفجار المظاهرات في تركيا تحت لافتة "مظاهراتنا ليست عن حديقة؛ إنها عن إساءة سلطة الدولة، عن الرقابة على الإعلام، إنها عن الديموقراطية" ورد أردوغان الذي خاطب الغرب بالأساس في تصريحاته الأولى مستخدماً كليشيه "لدينا انتخابات تعقد كل أربع سنوات يدعى إليها الناس ليختاروا السلطة التي تحكمهم، وأنا منتخب"، يشي بأن الأوضاع في تركيا لم تغادر الدرجة التي كانت عليها وقت هيمنة العسكر العليا على نظام الدولة، خاصة مع تواتر صور قمع الشرطة بنفس الطريقة التي كانت، واعتراف أردوغان نفسه بالإفراط في استخدام القوة، وهي صور لا تحظى بالتغطية الإعلامية اللائقة بها في الإعلام التركي الذي تغلب على قطاعات منه ضغوط الطبقة الحاكمة أياً كانت.


مرة أخرى تعود الدولة "النموذج" إلى مربع القلق: إساءة استعمال السلطة والإعلام، وهو نفس ما كانت تفعله سلطة العسكر التركي، ونفس ما تبيحه لنفسها أية سلطة تعتبر أن حصولها على نسبة تفوق الخمسين بالمائة في الانتخابات هو نوع من إطلاق اليد تتمتع به مع أي آخر من مكونات المجتمع مادام ذلك الآخر لا يملك القدرة على تحريك ضغوط دولية.
بالطبع لا تعرف الأنظمة المتطرفة ولا ترضخ للضغوط الدولية، مثل إيران سوريا وما شابه.
اتهام المتظاهرين الأتراك الذين نظموا خلال الأيام الثلاثة الأولى فقط من الاحتجاج 235 مظاهرة، اتهامهم لأردوغان بأنه "ديكتاتور" هو تجسيد لذلك الصراع الثقافي الذي تشهده المنطقة، وهو صراع جوهره حقوقي يتعلق بقيم الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة، في مواجهة قمع السلطة سواء بواسطة عنف الشرطة أو قهر السياسات الإقتصادية الرأسمالية للشرائح الضعيفة.
7 يونيو
الخصوصية التي يمثلها الدين في المنطقة سمحت للتيار السياسي الذي يرتدي عباءة الدين بالوقوف أولاً في خانة المعارضة للحكم السلطوي، لأن الأنظمة التي تشكلت في فترة ما بعد الاستعمار لم تتطابق مع مفهومه التقليدي للهوية، ولأن هذه الأنظمة طرحت بعد انتهاء الاستعمار درجة واقعية من الهوية تناسب مدى استعداد كل مجتمع لتبني توجهات التحديث؛ هذه التركيبة وضعت التيار الديني في خانة المعارضة السياسية للأنظمة بشكل مؤقت، وكبديل لا يختلف إلا من حيث نزعة الهوية، لكنه يحتفظ بكل سمات النظام المستعد للتعاون مع الغرب والذي ينحاز لسياسات الإقتصاد الحر التي تراكم ثروات الأغنياء على حساب الفقراء.
 لقد انفرد الإسلاميون في تركيا بكل مستويات السلطة خلال الدورة الأخيرة من رئاسة أردوغان للوزراء وبنسبة تفوق الخمسين بالمائة فكانت النتيجة خطأ في ممارسة الديموقراطية، وظهور شبح التسلط والديكتاتورية.
لقد بدا الربيع العربي خريفاً في مشاهده الأخيرة حتى الآن، ثم جاءت النفحة التركية لتمزق المظلة الهشة لديموقراطية الصناديق التي تسترت بها محاولات تفريغ الجوهر الحقوقي للانتفاضات التي دفعت عملية التطور السياسي؛ الديموقراطية عملية تنظيم لثقافة التعايش والمشاركة لا تقنين لثقافة الاستقواء. 

                             

      
تعبيراً من متظاهري اسطنبول عن ذكري 4 أشخاص قتلوا خلال أحداث الاحتجاج

Friday, May 17, 2013

تمرّد


 

كان مقبولاً من نجم الكوميديا عبدالمنعم مدبولي أن يسمِّي مسرحيته "احنا اللي خطفناها" كمنافسة لمسرحية تعرض في نفس التوقيت في شارع عماد الدين للنجم فؤاد المهندس بعنوان "روحية اتخطفت"؛ لكن عندما يواجه الإسلاميون حملة عزل الرئيس مرسي والتي تحمل اسم "تمرّد" بحملة يسمونها "تجرّد" يتجاوز الأمر حد الإسفاف في الخيال عندما تمارس السياسة بمنطق الكوميديا، يتجاوز ذلك الحد إلى درجة الجريمة مع سبق الإصرار!

الجريمة هنا موجهة ضد جماهير الشعب البسيطة بالسطو على أصوات أفراده وسرقة إرادتهم، والمجرم يستغل قلة التعليم لدى قطاعات من هذه الجماهير أو انعدامه لدى البعض، ويستغل حسن النية عند بعض آخر، فالجناس وتشابه  الأحرف والصوتيات بين الاسمين "تمرّد" و"تجرّد" مقصود لاستغفال الناس، وهو جوهر الإصرار والترصد في الجريمة!

حركة "تمرد" هي أول حملة تصارع بواسطتها قوى المعارضة على فكرة "الأغلبية" مع الإسلاميين.

 فكرة الأغلبية نفسها مرت بتحولات عديدة منذ اندلاع الثورة، فمنذ سيطرة الثوار على ميدان التحرير جادل أتباع نظام مبارك فكرة أن من في الميدان يمثلون كل الشعب معتمدين على صمت الأغلبية الكاسحة المعتاد، جادلوا قبل وبعد سقوطه منعاً من عزله، ثم من محاكمته ومن إقالة حكومة شفيق وحلّ المحليات وغير ذلك من المطالب؛ فكانت حشود أيام الجمع حاسمة بضغطها الجماهيري الواضح.

 لكن ظلت كتلة المعارضة أو "الكتلة الحرجة" تراوح في موقعها داخل خريطة الكتل والقوى السياسية التي تشكلت ونمت خلال مسيرة الثورة، وأعادت وضع نفسها على الخريطة السياسية أكثر من مرة.

 "الكتلة الحرجة" ليست أغلبية تفرض نفسها، ولا أقلية يمكن ابتلاعها. هذه الكتلة تشكلت بداية من الشرائح الأكثر استعداداً للتعبير عن مطالبها بأساليب احتجاجية، لكنها ليست أغلبية حاسمة لأسباب عديدة. هي التي فتحت باب العمل السياسي في الشارع، وانتصرت على القمع، وخلقت أساليب للتعبير الفني والجمالي خلال التظاهر، ثم راقبت انضمام أو انفصال المؤيدين للتغيير عنها.
 
مثلاً، كان حضور شباب الإخوان ضمن هذه الكتلة منذ اليوم الأول للثورة، بحسب شهادات ووثائق عديدة قدّرت مشاركتهم بالربع، وتكاد هذه النسبة وهذا التقدير "الربع" يتواتران في كثير من الشهادات التي سُجّلت وتطرقت لهذا الموضوع ومنها كتاب "خبرني العندليب" للرائع عُمر قناوي. لكن إخلاء الإخوان للميدان لم يغير كثيراً في حجم "الكتلة الحرجة" ووضعها القلق، فقد انضم آخرون لنفس الكتلة بفعل انفتاح آفاق العمل السياسي، وانهزام القمع ولو لفترة، وعدم قدرة المجلس العسكري على استعادة مستويات الخوف أو التخويف، وكذلك – من ناحية أخرى- انشقت شريحة من شباب الإخوان منحازة للثورة.

في مقابل "الكتلة الحرجة" يأتي "حزب الكنبة"، الذي يشكل خليطاً متنوعاً ما بين اليائسين والمنصرفين عن العمل السياسي أو المترددين غير الواثقين (50 بالمائة تقريباً من الناخبين لم يشاركوا في خمسة اقتراعات تمت منذ الثورة) وما بين أنواع وأنماط أخرى تتخذ موقفاً سلبياً من عملية التغيير لدوافع ومصالح أو توجسات مختلفة.

 لكن المثير في معظم شرائح "حزب الكنبة" أنها إيجابية؛ على عكس مفهوم حزب الكنبة السلبي (راجع مقالنا عن مفهوم الكنبة في الثقافة الأمريكية ومقارنتها بالصيغة المصرية)1، فقد كان لقطاع منها رأي وموقف، وشاركوا في الانتخابات.

ظل "حزب الكنبة الإيجابي" مناوئاً لتلك الكتلة الحرجة، تَشكَّكَ بعضُه في نوايا اختطاف الإسلاميين للسلطة وقدرتهم على التغيير، وتشكَّكَ بعض آخر في هؤلاء الذين يملأون الميادين ويرفعون لافتات ويرسمون الجرافيتي على الحائط ويمارسون فنون الشارع المختلفة، فقد مثلت مفردات الاحتجاج والمطالبة بالتغيير صدمة لقطاع من حزب الكنبة نشأ وتربى على حق صاحب السلطة – كأب- في القمع، معتبرين ما يفعله هؤلاء خروجاً عن هذا المبدأ القانوني من وجهة نظرهم.

 كما انزعج كثير من المحسوبين على "الكنبة"  خوفاً على مصالحهم التي تشكلت في ظل نظام مبارك وتكيفت معه بغض النظر عن مدى الرضا عن هذا النظام؛ فهو يتراوح ما بين مقتنع بعدم أهلية المجتمع المصري في قيادة نفسه بواسطة صناديق الاقتراع واحتياجه لحكم أبوي قمعي، وصولاً لمن يرى في الحاكم العسكري خياراً واقعياً يحافظ على "واجهة علمانية" شكلية لمؤسسات الدولة في ظل تراجع تطلعات الشخصية المصرية كثيراً خلال العقدين الأخيرين إلى حدود تجعل البعض عرضة لتبني قيم حركة طالبان.
اضطر حزب الكنبة الإيجابي إلى عمل مبادرات في الشارع بعد أن شغل الرئيس محمد مرسي موقع الرئاسة، كانت تلك المحطة نوعاً من الغربلة لكتلة الكنبة الكبيرة نسبياً، والتي فاجأت الجميع عند الإعلان عن حصول شفيق على أكثر من 5 ملايين صوت في الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة. كان المشهد مطابقاً للمشهد اللأخير في فيلم لعادل إمام عن الصراع بين الإخوان والحزب الوطني على السلطة! لكن الغربلة التي تعرضت لها كتلة الكنبة، اضطرت قطاعاً منها لاستخدام نفس أساليب التعبير السياسي التي كانت موضع هجومهم، بدءاً من المفارقة الفاقعة بالتصويت بهذه الكثرة لشخص ينتمي لنظام كان ضد مبدأ حكم صناديق الاقتراع أصلاً!

حركة "تمرد" هي أول مبادرة تتعامل مع خريطة ما بعد الغربلة، خريطة تضم كل المعارضين للتيار الإسلامي، وكل المستائين من طريقة الانقسام والانشقاق التي أنتج بها الإخوان دستورهم، ولم يكونوا في حاجة إلى هذه الدرجة من تعميق الانقسام ليصل إلى مستويات شعبية، فالوصول إلى مواضع اتفاق مع شركاء الوطن كان يسيراً ولا يوجد في نصوص الدستور – الضعيف في رؤيته- مكاسب سياسية كبرى للفصائل الإسلامية تحتاج التضحية بالتوافق مقابله!

هناك أيضاً قطاع كان يأمل في وصول شخص كفؤ للسلطة، ولا يعنيه التوجه السياسي الذي يمثله هذا الحاكم الجديد، لكن صدَمَتْهُ المفاجأة؛ تلك التي يسمّيها الكاتب وائل عبدالفتاح "الديناميت المبلول!"، فقد كان المنتظر أن يبهرنا ويهزنا أداء الرئيس الذي ظلت جماعته تحارب وتعاند من أجل الوصول إلى السلطة أكثر من 80 عاماً، في إصرار فريد ومثير للانتباه، لكن أداء الرجل كان أقرب إلى الهزل في أول بضعة أشهر، لم يحدث دوياً ولا أي أثر من آثار الديناميت السياسي، بل بدا فاقد الخيال، محدود القدرات، كاذباً فيما يتعلق بدرجة تعليمه، ضعيف المناورة والقدرة على التفاعل مع مشكلات البلد، بداية من مشكلة أنه يحكم باسم جماعة شاركت في ثورة لم تدعُ إليها، بينما يعيش الثوار الحقيقيون حالة مد سياسي، مروراً بأزمات البلد الإقتصادية المزمنة والتي طفحت مع غياب الأمن! وصولاً إلى أكاذيبه عن النهضة الموعودة!  
ترفض حركة "تمرّد" الفلول والمحسوبين على النظام السابق، لكنها لا ترفض من يريد إعادة تعريف علاقته السياسية من السلبية في التعامل مع النظام (سواء نظام مبارك أو الإخوان)، وقرر المشاركة الإيجابية.

إنها حركة تستهدف كل من قرر أن يكون إيجابياً ويرفض محاولات إنتاج نظام استبدادي جديد، بشرعية تتمسح بالدين. وتستهدف قطاعات جماهيرية انعطفت رؤيتها من الاستسلام وإعطاء الفرصة إلى ضرورة حسم الأمور مع ذلك الكذب والنصب السياسي الذي وعد بمشروع وهمي للنهضة، وتحدث عن دعم شركات سيصل لمائتي مليار "دولار"، وعندما وصل إلى السلطة على جثث الشهداء مارس الاستخفاف بتضحياتهم رافضاً أن يصطدم بالمؤسسة الأمنية التي تعمل كآلة ضد المجتمع وتنزع إلى معاقبته بدلاً من حمايته، بل إنه تحالف معها لتحميه من خصومه!

ثم أخيراً، "تمرّد" هي مبادرة ضد الاستخفاف بأزمات الناس اليومية. لقد استخدم الإخوان، والإسلاميون عموماً، مسمَّى "النخبة" في وصف معارضيهم، لعزل رسالة المعارضة عن الشارع، فاستجاب الناس وانتخبوا الإخوان أو الخيار الإخواني في الاستفتاءات مراراً، ثم انكشف الأمر أن مشروع الإسلاميين لا هو مناهضة الغرب، ولا إصلاح الداخل، بقدر ما هو التحول إلى نخبة جديدة ترتدي عباءة الدين!
هامش:
1- يمكنك الاطلاع على مقال "حزب الكنبة والتلفزيون ومجتمع الشبكلت" عبر هذا الرابط:
 

Friday, April 26, 2013

هواجس عن التدين كوسيلة خروج عن القانون

توفر الميليشيات الإسلامية في مالي تأمين طرق تجار المخدرات
 
 
ليس مفهوماً لماذا يتمتع تجار مخدرات بعفو رئاسي كالذي قال المحامي أمير سالم أن الرئيس مرسي منحه لهم!
المعروف أن الإسلاميين في دولة مالي يسيطرون على طرق هامة تمر من خلالها تجار المخدرات القادمة من أمريكا الجنوبية بطائرات تهبط في صحراء شمال مالي، لتمر البضائع المحرمة في حماية ميليشيات إسلامية في طريقها للشحن مهربة من موانيء غرب إفريقيا لتصل لأوروبا. تقدر الأمم المتحدة المخدرات العابرة من هذا الطريق إلى أوروبا بحوالي 1.25 بليون دولار بأسعار البيع بالتجزئة.
قيام المليشيات الإسلامية في مالي بتوفير التأمين المسلح لتجار المخدرات يمتد لأكثر من عقد من الزمان، لكنه اتخذ منحى كبيراً مع تراجع السلطة المركزية لحكومة مالي إلى حدود لا تذكر، ما تطلب تدخل دولي. تبين صور المراسلين التي التقطوها من مدن في الصحراء كان يسكنها أباطرة المخدرات، أنهم تمتعوا بوفرة مالية ورفاهية كبيرة في العيش، قبل أن تقتحم القوات الفرنسية التي أتت لتدعم القوات الحكومية المحدودة هذه المدن، فيهرب التجار والميليشيات إلى دروب لا يعرفها إلا هم في صحراء تنخرها الرمال المتحركة، ولا يعرف مساربها إلا أدلاء مدربون يقودون طرق سير هذه البضائع الثمينة المحرمة.
تجارة الإسلاميين أنفسهم بالمخدرات –رغم تحريمهم لتعاطيها – مسجلة في أفغانستان وفي لبنان، لكن نظراً للتبرعات السعودية لطالبان، والدعم الإيراني لحزب الله، لم تمثل هذه التجارة مصدراً أساسياً لتمويل السلاح. إلا أن المنظومة القيمية للإسلاميين تجتر وتبتلع هذا العمل داخل آلياتها في صمت لا يوجد شك في أنه يمتزج بأي نوع من الخزي أو الخجل!
نحن نعرف أن نزعة الخروج على القانون، تسهل تبرير مثل هذه الأفعال بأن مستهلكي المخدرات هم من "الضالين" وهم من "الفاسقين" الذي "أضلهم الشيطان" وأنهم "أعداء الدين"، وما إلى ذلك من ترسانة الكلمات التي أصبحنا مدربين على الاستماع إليها منهم لتبرير نقاء وطهرانية لا يراها غيرهم في أنفسهم!
بكل سهولة يمكن لأي إسلامي أن يتحفنا بتفسير عجيب لآية أو لحديث، ويرفض كل ما يقبله العقل والمنطق والقانون، وأيضا قواعد التفسير. ثم يقول أنه لا يخضع لما نعتبره "قانوننا" لأنه لا يقبل بسلطان عليه لغير الله.
هذه الأطروحة أعلنها قبل يومين فقط أحد الشابين المتورطين في مونتريال في التخطيط لتفجير قطارات في كندا والذين تم القبض عليهما الأسبوع الماضي! هكذا قال للمحققين؛ لا أعترف بقانونكم وليس لي من قانون إلا كتابي المقدس!
تكتمت السلطات الكندية في البداية الإعلان عن هوية الشابين اللذين أوقعت بهما ربما تجنباً لإثارة العداء، ثم أعلنت أن اسم عائلة الأول هو: الصغير من تونس، والثاني جاسر مولود في الإمارات! لم أتابع كل تفاصيل الإعلان لكني شعرت بخجل كبير، وقلق أكبر على مستقبل الجالية العربية المهاجرة لهذا البلد.
كيف تتسرب مثل هذه الأفكار -بالمناسبة قائلها يدرس الدكتوراة!- وكيف نحصن أبناءنا ومحيطنا من هذا المرض البشري الذي يتمكن من الخروج على القانون بسهولة، ويستقطب المهووسين بالقتل؟
لا أعرف مدى صدقية التقارير التي تتكلم عن نشاط مسلح لإسلاميين في سيناء لا يعترفون بالرئيس محمد مرسي رئيساً إسلامياً! لكن لو صح، وهو ليس ببعيد عن الطابع العام لهذا الهوس، فما العمل مع إمكانية استخدام الدين في مثل هذا الخروج عن القانون؟
 
بيت لأحد أباطرة المخدرات في مدينة جاو بمالي  
                                  
 

Monday, April 22, 2013

ذو الجلباب الأبيض




ليس معروفاً على وجه التحديد ما عنصر الجذب في تلك الصورة لتثير كل ذلك الخيال!

 هل هو غرابة الزي عن موضع التقاط الصورة، كوبري 6 أكتوبر أحد أيقونات المدنية في العاصمة المصرية، أو أنه غرابة حركة العنف التي سجلتها الكاميرا، أو أنه جوهر الشخصية الذي انكشف في لحظة ما، فأمسكت به العدسة وأصبح عسيراً على الشاشات أن تفلته دون أن تمارس – كرد فعل- كل أساليبها في الدفاع عن النفس، من زوم وتكبير وحذف وتظليل وإضاءة وتركيب، وغير ذلك من أدوات الفوتوشوب التي تجلو معنى الصورة وهي تمارس ما يعرف بالتحريف بواسطة برنامج تحرير الصور!

الصورة من "عركة" نشبت بين موالين للإخوان احتشدوا عند دار القضاء العالي مطالبين بتطهير القضاء يوم الجمعة الماضي، وهو حشد وصفت غايته بالتضليل حتى من أقرب حلفاء الإخوان (السلفيون)، فليست مشكلة القضاء بالعائق الأكبر في موضوع العدالة الغائبة في مصر، ولا في صراع الطعون وتوجيه اللكمات السياسية من خلال رفع القضايا على الخصوم، الجزء المعتم من عملية العدالة لايزال في قبضة السلطة التنفيذية أولاً، والتي انتقلت ليد الإخوان أنفسهم، وما العيب في القضاء إلا ذريعة لتحقيق مكسب سياسي بفرض درجة من الهيمنة على السلطة القضائية، كما أنه وسيلة للفت الانتباه عن تقاعس السلطة التنفيذية في إصلاح أدائها للجزء الخاص بها في موضوع العدالة.

الوعي بموضوع التضليل السياسي ذلك لم يكن واضحاً بدوره لدى من تحرشوا بحشود الإخوان، قد يكون الأمر مجرد حلقة في دورة مفرغة من الانتقام تدور الآن بين الإخوان وبين من تعرضوا للعنف من إخوانجية كانوا قد هاجموا متظاهرين ومعتصمين عند الاتحادية، مفتتحين دورة عنف تكررت مشاهدها في المقطم والعباسية، تقول بعض الشهادات أن الإخوان أنفسهم تضرروا منها ربما أكثر من خصومهم، ويظل البادئ أظلم!

لكن التحريف الواعي لتلك الصورة استوقفني، فقد تناولت موضوع "فن الجماهير"1 مع انفجار سيل الجرافيتي الذي أحدثته الثورة، ومعه فنون أخرى يبدعها مجهولون أو مغمورون أصبحت صوت الثورة، ثم تناولت سقوط الإعلام الرسمي بواسطة الثورة ومواقع التواصل الاجتماعي في معالجة أخرى لمعنى "حزب الكنبة"2، ولم أفكر في الرجوع للموضوع، كنت قد اقترحت على صديقي العزيز الناقد السينمائي أحمد يوسف التفكير في عمل مشترك نرصد فيه ملامح من الجرافيتي ومن اسكتشات كومديانات الثورة وكذلك أغانيها، لكن الاقتراح لم يتطور.


وثَّقت الثورة صور العنف بكثير من الألم، وهو ما حاولت كشفه عملية "التحريف" بالفوتوشوب لصورة قاذف الحجارة الذي يرتدي جلباباً أبيض ناصعاً ويعتمر طاقية بنفس اللون. الألم لم يغب عن كل صور الثورة، الدماء على الشوارع بكل الأساليب، وعيون النبلاء المفقوءة، لكنه تراكم طبقات، حتى جاء قاذف الحجارة بحركته التي تخدش توقعاتنا التقليدية عن شيخ يرتدي جلباب يوم الجمعة من صورة تتسم بالسماحة ليكحت شيئاً من تلك الطبقات، موجها أبصارنا نحو أيقونة جديدة لمرتكبي العنف.

صاحب الجلباب الأبيض ليس قناصاً، وليس عسكرياً يسحل فتاة، وليس من فرقة جنود تبطش لتحرر صينية الميدان – لو تذكرون- إنه وجه جديد ليس فقط على هذه الدرجة والنوعية من العنف، إنه وجه جديد على المدينة؛ على هذه الرقعة تحديداً من المدينة. هنا ألم لم يكن ليمر دون تثبيت الصورة وتكبيرها.

في الصورة أيضاً تناقض كان عصياً التقاطه بعدسة؛ تناقض القيم الريفية والمدنية الذي تعيشه الثورة؛ قيم العزوة والمكر والاستقواء بالغلبة، ووضع اليد من أجل مساومات تسعى للمحافظة على القديم، وترسيخه وزيادته، تلك المنظومة الأعم التي يسرت تفاهمات المتدينين والجيش الذي تغلب عليه الأصول الريفية. في مقابل قيم التحديث والشبابية التي تتسم بالمرونة وانفتاح الخيال؛ بالضبط كما فعل محرر الصورة ببرنامج الفوتوشوب تاركا لخياله العنان، وهو بالمناسة قد يكون أكثر من محرر ومحررة، كما أن برامج تحرير الصور عديدة أشهرها الفوتوشوب.

في كل الصور سؤال: من أنت؟ في كل تركيبة تقريباً شعرت بهذا السؤال؛ من أنت لتغزو عالمي بكل هذه الجرأة؟ من أنت لتقتحم خيالي، من أنت لتفرض نفسك على عالمي؛ سواء كان عالم البوكيمون أو الألعاب الرياضية التي أروي بها أحلامي وأنا أتابع نجوم اللعبة الرياضية، أو أرسم في ذهني أيقونة لتمثال الحرية؟

ألست تشبهني؟ أليس بينك وبين "عمرو حمزاوي مثلاً" شبهاً؟ هل يمكن أن أشبههك؟ هل اقتحمت عالمي لتضعني في قالب وتصنع منِّي نسخة تشبههك؟ هل جننت؟

كل نسخة تحريف في هذه الصورة، بواسطة برامج تحرير الصور، سؤال لا يطمع في إجابة. إنه ألم يحرك الصورة.
هوامش:
1- للاطلاع على موضوع فن الجماهير: http://ahmed-gharib.blogspot.ca/2011/09/blog-post_4096.html
2- للاطلاع على موضوع حزب الكنبة: http://ahmed-gharib.blogspot.ca/2011/10/blog-post_30.html

Friday, April 12, 2013

شفيق والسادات وناصر.. كمان وكمان


 

Artist.INNERFIELDS , Brussels, Belgium- From Street Art Save My life

 

لعلها الثمرة الوحيدة حتى الآن؛ تلك الخصوبة الكبرى في فتح ملفات الوطن، والدين، والرئيس، وفكرة القيادة، وماذا نريد من الدولة، بل وكيف نستخدم ديننا، ونفهم تاريخنا.

لا أستهين بهؤلاء الذين ينشرون صورة للرئيس السادات على الفيسبوك ويكتبون جوارها مواقف ينسبونها إليه، وبعضها لم يحدث أو لم يتم بهذه الكيفية ولم يكن له علاقة بذلك الأداء البطولي الذي تحمله العبارة أو التعليق المنسوب للسادات. القصة بهذه الطريقة أقرب لبنية الأمثولة الشعبية، وهي دليل خصوبة أن الوعي الجمعي قلق، ونشط، يفتش في ملفاته، ويعيد صياغة وضبط زواياه.

لجمال عبدالناصر حظ طيب في عملية تقليب التربة هذه؛ ثمة جوع للقيادة!

لا تقلقني أيضاً فورة الاهتمام بالمرشح الرئاسي أحمد شفيق، فدوره السياسي لم يخرج عن سيناريوهين؛ إما أنه مجرد رهان فاشل للمؤسسة العسكرية كانت تأمل منه تقديم شخص يعيد إنتاج نظام مبارك، لكن لأن الرجل شخصية طاردة للكتلة الجماهيرية التي تنشد التغيير وضحت من أجله، اضطر الجيش بسبب ضعف أسهم أحمد شفيق لقبول البديل الإخواني، باعتباره البديل الوحيد الذي عرض إمكانية الترتيب والتأمين لمصالح الجيش وللمصالح الأمريكية.

أو أن شفيق مجرد كارت محروق تم الاستعانة به لتبرير البديل الإسلامي الذي كان موضع توافق بين أميركا والجيش، وتشهد الساحة الأفغانية حالياً ثمار هذا التوافق، فحتى أحداث الألغام التي كانت تصنفها القوات الأمريكية على أنها انفجارات غير متعمدة لألغام كانت قد زرعت في السابق وأدت لقتل أو إصابة جنودها دون قتال، حتى هذه توقفت تماماً، وأغلق ذلك الملف الذي كان يصنف تحت بند انفجارات عشوائية - وليس قتالاً- لتفادي مواجهة ضغوط الرأي العام في دول التحالف الغربي.

فشل سياسات الإخوان أقلق الناس على الدولة نفسها، وليس فقط على تخبط السياسات لفترة من الوقت، أو افتقاد البوصلة خلال فترة رئاسية يمكن تداركها عندما تتاح صناديق الاقتراع في المرة القادمة.

القلق التقى أيضاً مع عملية جرد مستمرة للمسكوت عنه والقضايا والتساؤلات المؤجلة، انخرط الوعي المصري في عملية الجرد هذه مستخدماً وسائل الإعلام التفاعلي، ومواقع التواصل الاجتماعي كقائد لمنظومة الإعلام الجديد بعد الثورة والتي لحقت بها الفضائيات، لكن الجرد أصاب أيضاً مستويات تحتية مثل دور الدين في حياتنا، وليس فقط دور رجال الدين، وهو دليل خصوبة الجرد.

دائماً ما طُرحت قضية الحكم والحاكم داخل قالب نمطي: علاقة الحاكم بالمحكوم؛ يكاد الأمر أن يكون ضارباً في التاريخ بكل مستوياته الفرعونية والقبطية والإسلامية، والأخيرة تستعذب وتستسيغ هذا الأسلوب في الطرح، حيث يسهل على الأتباع والموالين نشر حكايات عن تجول الحاكم أثناء الليل، وقيامه ببعض المبادرات التي تسند الضعفاء، فيهدأ الاحتقان الشعبي وتتشتت المعارضة.

فشل مبارك في الحفاظ على هذه العلاقة ارتبط بفشل إدارة وسائل النقل الجماعي الحديثة؛ أمر ضرب عمق شرعيته كقائد للطيران العسكري يوما ماً، غرق سفن، حوادث قطارات، سقوط طائرات، والأنكى أن الرجل لم يظهر مشاعر مقنعة بمشاركة ومواساة أهل الضحايا، والخوف على ضحايا محتملين.

ما يطرحه شفيق الآن هو تلك النبرة القوية التي توحي بقدرة خادعة على استعادة الأمن المفقود، لكن نظرته للشعب هي أنه لا يستحق الحرية. الرجل نفسه عاش وبنى نفسه داخل منظومة تحتقر الانتخابات وتدوس على رأي الصندوق، ولا تعمل على تحسين الأوضاع الاجتماعية للشرائح الضعيفة، بل تعتبرها عبئاً غير قابل للتوظيف من قبل أدوات الدولة لتحقيق إنتاج.

 حماقة الإخوان المسلمين ليست فقط في طمعهم في كل السلطة، ولا انقلابهم على من فتحوا لهم الطريق، ذروة الحماقة أنهم ظنوا أن العنف سيقضي على استعداد الناس المشاركة في مليونيات، وسيقيد عملية مواصلة التظاهرات الشعبية الداعمة لمطالب متعددة من السياسة إلى الإقتصاد. عنف الإخوان لتطفيش الناس من المليونيات أدى لعودة بعض القيمة لشفيق، للأسف، لكنها وهذ هو الجيد في الأمر لا تكفي وحدها لتوجيه الرأي العام القلق بشدة، والذي يناقش كل مستويات علاقة الإنسان بالدولة في وقت واحد.

ثمة قناعة أن منصب الرئيس شاغر حالياً، وأكثر من يؤمن ويتعامل مع هذه القناعة كحقيقة هو مكتب الإرشاد، لذا يحاولون أن يستحوذوا على كل ما هو ممكن من أدوات وعناصر التحكم، شركات، مناصب، قوانين مساعدة، أي شيء؛ إما التمكين أو امتلاك أوراق كثيرة للتفاوض للبقاء والمشاركة. الخروج من اللعبة هذه المرة يعني النهاية بالنسبة لهم، الخروج يعني طريق هلاك حقيقي وليس كما كان خروجهم بعد الصدام مع عبدالناصر.

إنها لحظة قلق حقيقية، من الطبيعي أن تقفز على سطحها صيغة "علاقة الحاكم بالرعية" فيفتش الوعي في ملفاته القديمة، ويستدعي آخر نسخة من ذلك القديم، شفيق، أو حتى جمال مبارك. هذا ليس نكوصاً بقدر ما هو كسل من منتجي الخطاب السياسي الجديد في الوصول لشرائح من هؤلاء القلقين، وربط الصيغة المعتادة بالنسبة لهم مع مستويات أخرى مفتوحة بالفعل للمناقشة.
 
جرافيتي من المحلة
 

Saturday, March 30, 2013

دولة مدنية.. أحلام الثورة مستمرة






على المنصة الدكاترة: باسمة موماني، مي التلمساني، ووليد الخشاب، وعلى الشاشة رشاد أنطونيوس 
 

دُعيت الأسبوع الماضي إلى ندوة نظمها د.وليد الخشاب أستاذ الدراسات العربية في جامعة يورك بمدينة تورنتو الكندية تحت عنوان "علمانية – مدنية.. من منظور العرب الكنديين". فعاليات الندوة التي تضمنت عرضا لفيلم وثائقي ومائدة مستديرة شارك فيها عدد من الأكاديميين العرب في كندا، جددت من وجهة نظري أهمية مفهوم "الدولة المدنية" الذي فرض نفسه على الواقع السياسي الذي أطلقته ثورة 25 يناير.

  كان تعبير "دولة مدنية" سابق الاستخدام على الثورة، لكنه اكتسب شكلاً ودوراً جديداً في أعقاب المبادرة التي أطلقتها د. مي التلمساني يوم 13 فبراير عقب سقوط مبارك بيومين، وأيدها عدد لافت من المثقفين.

و بحسب علمي لم يجد مفهوم خرج من دائرة المثقفين اهتماماً واسعاً وتفاعلاً مثلما لقي مفهوم "دولة مدنية"، بل إن إشكاليات تحديد معناه، كونه يشير إلى توجه مستمر نحو سمات تقدمية ترتبط بالمدينة الحديثة أكثر من إشارته إلى مواصفات علمانية بعينها، إشكاليات المفهوم ودلالاته هذه أتاحت له التفاعل بحيوية مع قطاعات جماهيرية كبيرة أبدت اهتماماً جديداً بالمشاركة السياسية وحقها في التعبير.

ندوة جامعة يورك نالت اهتماماً من عدد لافت من العرب إلى جانب طلاب الدراسات العربية الذين تفاعلوا باهتمام بالغ مع أولى الفعاليات، وهو فيلم وثائقي من إخراج مي إسكندر يوثق نشاط صحفية مصرية "هبة عفيفي" في التفاعل مع الثورة ما بين الميدان والإنترنت، وعلاقتها بأسرتها في ضوء التغيرات الاجتماعية والسياسية التي أعطاها الشباب والفتيات مثل هبة كل جهدهم لتكون تحولات جذرية تحقق إسقاط مفهوم الأب والوصاية ليحل محله مفهوم المشاركة.
تريلر الفيلم على يوتيوب

مشاهد الفيلم  بين البيت والميدان، نقاشات العائلة وقسوة التعامل مع المطالبين بحق التعبير وأحلام البسطاء عند طوابير الانتخابات، أوجدت حالة من الالتحام بين الطلاب الشباب - ونسبة منهم أبناء الجيل الثاني من المهاجرين- وبين أقرانهم داخل مصر، وفتحت الباب لتحليل قدمته د.مي التلمساني (جامعة أوتاوا) بدأ بالإشارة إلى طبقات أخرى من الالتحام جسدها التعاون بين مي إسكندر وهبة عفيفي في توثيق يومياتها مع الثورة، فالمخرجة قبطية مصرية مقيمة في الولايات المتحدة، والصحفية الشابة مسلمة ابنة الجيل الشاب الذي أطلق شرارة الثورة، لكن التوحد والالتحام أزاح الطائفية والمسافات الجغرافية وصب كل الاهتمام على الميدان ونجاح الثوار في إنتاج سلطة مدنية منتخبة تحقق أهداف الثورة.
د.مي التلمساني تقدم تحليلا لفيلم مس اسكندر

القصة في الواقع لم تنته فصولاً كما انتهت أحداث الفيلم عند فاصل معين هو انتخاب رئيس مدني لأول مرة، ولعل ذلك ما أضفى على مناقشات المائدة المستديرة جدلاً لا يختلف كثيراً عما تشهده بيوت ومقاهي المحروسة. فمنازعة التيار الإسلامي القوى السياسية الأخرى، بدأت منذ ادعائه أنه يسعى بدوره لتحقيق نفس مفهوم "الدولة المدنية"، وهي دعوى غريبة إذ تستخدم التيارات العلمانية مسمَّى "مدنية" بديلاً عن العلمانية، وهو تحديداً ما يبني التيار الإسلامي توجهه كنقيض له، لكن نزعة الاستحواذ وبريق المفهوم الذي جاء طرحه في توقيت كانت الجماهير عند أقصى درجات الاستعداد للتفاعل، لم يترك مجالاً لأن يزهد الإسلاميون فيه.

 

أين  تقع "مدنية" من الثورة؟

بأكثر من صيغة غير مباشرة طرح هذا السؤال خلال مناقشات المائدة المستديرة.

 أولى الأوراق قدمها د. رشاد أنطونيوس (جامعة كيبيك بمونتريال) تناولت الجانب الفكري لدى التيار الإسلامي، ووصعود تيار الحاكمية فيه، واستحواذه ليس فقط على التيار بل وتغييره وجه الثورة ودفتها ناحيته، وتضمنت معالجة الورقة تحليلاً مثيراً لما تعنيه الحاكمية لدى هذا التيار كآلية لمحو التنوع، وفي المقابل استعرضت ورقة د. أنطونيوس مقومات التنوع الثقافي التي تميز المجتمع الكندي، والنوع الغالب من الهجرة العربية إلى كندا وهي "الهجرة الثقافية" التي تتطلع لمميزات التنوع، وهو ما يتهدده الصعود السياسي لجماعات الحاكمية حيث تمارس تجمعات المهاجرين آليات للضبط الاجتماعي تسمح بنفاذ الإقصائية التي بات يفصح عنها التيار الديني المتشدد.

تعقيب د.ثابت عبدالله (جامعة يورك) نبه إلى ضرورة البحث عن أسباب غلبة التيارات المتشددة دائماً على الصورة، لماذا تحظى بالتأييد دائما؟ لماذا يأتي الأكثر تشدداً فيجتذب القيادة؟ وضرب مثلا بفكر على عبدالرازق نموذجاً لفكر مستنير يتم إقصاءه.

ورقة د. باسمة موماني (جامعة واترلو) ركزت على محورين الأول هو حق المجتمعات العربية في تقرير خياراتها وفقاً لما يلائمها ويتماشى مع تركيبتها الثقافية وهويتها والتي يغلب عليها الطابع الديني، والثاني هو التوكيد على المطالب الأساسية للمظاهرات الأولى التي أطلقت ثورة يناير: عيش، حرية، عدالة اجتماعية. وهي المطالب التي لاتزال تحرك الجماهير وتتسم بطابع إقتصادي أكثر من كونها تصب في مدنية الدولة والتي تبدو بدورها مطالب نخبوية أكثر منها جماهيرية. لكن معالجة د. موماني لم تبين كيف يمكن تصحيح مسار الإجراءات الديموقراطية الفاشلة التي انحرفت بمسار الثورة وأنتجت سلطة لا تعمل على تلبية المطالب الإقتصادية وانحرفت بأهداف الثورة لتختزل في الأبعاد الدينية كالشريعة والأسلمة!

تعقيب د.مي التلمساني  شدد من ناحيته على أن عودة المتظاهرين إلى الشارع مرجعه فشل السلطة في تحقيق أهداف الثورة، وإعادة السلطة إنتاج نفس النظام القمعي الذي قامت المظاهرات ضده، كما تساءلت عن تحديث مصطلح "النخبة" ليواكب متغيرات ما بعد الثورة التي كشفت أن قوى الإسلام السياسي والإخوان في المركز منها ليست إلا جناحاً من النخبة، بل إنها جناح قوي بما يملكه من رأسمال واستثمارات وما يمثله من مصالح للأثرياء، كما أن الشواهد أكدت على النزعة النخبوية لدى الإسلاميين في تعاملهم مع مطالب الشرائح الفقيرة والمعدمة والعمالية، حيث تتم مواجهتهم بقمع كامل دون استجابة سياسية، وهو ما يدفع بالناس إلى العودة للشارع مرة بعد مرة تحت لافتات سياسية تناهض السلطة الإسلامية الحاكمة. وقدمت التلمساني إشارة لافتة لخطاب الثورة المضادة الذي يصور "الميدان" باعتباره مصدر الشرور ويدعو الناس للإقلاع عن التظاهر، في مقابل تقديم الثوار لنفس الميدان باعتباره "يوتوبيا" المدينة الفاضلة!

عقب الندوة التي شهدت تفاعلاً كبيراً من الطلاب -لا يسعني المقام هنا لتسجيله- جمعني لقاء مصغَّر في مقهى مع مي التلمساني ووليد الخشاب سألتهما فيه عن رحلتهما في أقاليم مصر لشرح مبادرة دولة مدنية والتي جرت عقب إطلاق المبادرة وخلال الأسابيع والأشهر الأكثر خصوبة من عُمر الثورة، وقد أدهشتني حكايات الجولة واستقبال الناس في عدة مدن وقرى من ريف وصعيد مصر، إنها ثروة من الحكايات، أخبرني الخشاب أنه تم توثيقها بالصور الفوتوغرافية، وهي مادة تستحق التسجيل والكتابة، فلعلها المرة الأولى التي يحدث مثل هذا اللقاء والتفاعل بين الأطراف والمركز، وهو رصيد من الخبرة قد يكون أساسياً لمفهوم ومبادرة مدنية التي يبدو أنها ستظل تعاود الظهور والتجدد بقدر ما يحمل المصطلح مضموناً تقدمياً ونزعة للتحديث.
من الحضور 





 

Monday, March 25, 2013

دورة العنف.. الرصيد لا يسمح

متظاهرة في المقطم يوم الجمعة 22 مارس 2013
 
لم تستطع الجماعة التي نزلت إلى الميدان "ضبطه" وتوجيهه نحو سياسات قادتها. لم تستطع حشودها أيضاً أن تسرق الأضواء وتستحوذ على الثقل الجماهيري عندما اتجهت لساحات جديدة للتظاهر واستعراض الجماهيرية. بعدها، لم تنجح في لعب دور "الجماهير المؤيدة" للقرارات عند الاتحادية، بل إن صورتها تعرضت لمحو كامل مع اتجاه حشود كبيرة لنفس المكان تعترض على الإعلان الدستوري المشئوم.

 كانت المصلحة السياسية وراء التصعيد باستخدام شباب هذه الجماعة في فض الاعتصام حول الاتحادية بالعنف نقلة تهدف إلى ما هو أكثر من تنفيس الغضب والتعبير عن الإحباط من تفوق المنافس. العنف في حد ذاته وسيلة لتنفير الناس من الالتفاف حول المظاهرة.
 ثمة لذة وإبداع وترفيه وتفاعل اجتماعي وثقافي يستخدمه هؤلاء المتظاهرون الذين تتزايد أعداد مؤيديهم في كل مرة، ثم فنون للتظاهر والتعبير يتم تبادلها وتنميتها، وقد تم اكتشاف كلمة السر وراء إفشال ذلك، الكلمة التي لم يمتلكها المجلس العسكري، الذي كان قد سبق واستخدم العنف الرسمي المنظم فكان رد الفعل الشعبي مزيداً من الاحتشاد يشارك فيه عامة من الناس لايواظبون على التظاهر، ولا يشاركون في اعتصامات، لكنهم يظهرون كرد فعل مؤيد لمن يقومون بذلك. أما عنف الجماعة، العنف المدني المنتخب، فيدعو الناس للعودة للبيوت ومراقبة الموقف عبر الشاشة.
إنه يمنع ذلك التواصل الثقافي، تلك الفنون الجميلة، التي تتشكل ما بين الهتاف، والجرافيتي، والغناء، والمبادرات السياسية والمناقشات، وأهم من ذلك التواصل مع ذلك الذي يشاركك الوطن ويريد أن يبنيه معك، العنف يقتل الثقة في شركاء المجتمع. العنف يرخي ستائر الظلام. العنف يعزز الانحياز الأعمى. العنف جيد للرجعية.
لكن الجماعة، التي اكتشف ذلك بقدر لا يخل من الصدفة، وإن كانت ليست صدفة كاملة، تدفع كلفة كبيرة من جراء هذا العنف. خسائر بشرية بين فقد وإصابة، خسائر معنوية تذهب برصيد معظمه "حسن الظن" لدى بعض الناس الذين كانت الجماعة قد بنت لديهم قدراً من الثقة خلال رحلة معارضتها لمبارك. خسارة كبرى في مفهوم الدعوة، تكاد أن تجفف منابع كسب المزيد من الأتباع، وهؤلاء مهمون، لأنهم يدفعون المال والجهد لتعزيز بناء الجماعة، إنهم ليسوا مجرد صوت انتخابي مؤيد خسائر سياسية أخرى تعيد تقييم وزن الجماعة في نظر الجيش، وفي نظر الولايات المتحدة.
بعد عدة مصادمات مارست الجماعة فيها العنف بقسوة تكاتف من سبق وضربتهم مع من تهددهم، فانتهت أسطورة قدرتها على "ضبط" الشارع بهزيمة في مواجهة هي التي افتعلتها، وبدأتها. لقد تحولت إلى جهاز شرطة جديد يتحرك في بيئة لديها الاستعداد لأن تبادله العداء لو منحها المبرر باستخدامه العنف. لقد أصبح لديهم أسوأ أنواع الأعداء: عدو لا تعرفه.
الجديد أن ثمة أناس في الجماعة تطالب الرأس باستخدام أدوات السلطة ليحصل لها على شيء من الثأر للهزيمة، تلك السلطة التي دفعه هؤلاء كثيراً (من المال وغير المال) لتوصله ليها.
 
 
في الحقيقة لم يبق من أدوات السلطة في فرض الأمر الواقع بالقوة إلا القضاء، وقد استطاع مرسي اختراقه عندما تمكن من تعيين نائب عام يخدم سياساته وينحاز لتوجهاته، ونظراً لوجود خلخلة في بنية النظام القضائي، يكاد النائب العام أن يكون بمثابة الحاكم التنفيذي في ساحة القضاء، لأنه يؤثر كثيراً في طريقة توجيه العملية القضائية صوب تحقيق غايتها وهي العدالة، لكن تأثيره ليس مطلقاً، أو هكذا يبدو الأمر حتى الآن.
لم يبق إلا القضاء لأنه في الطريق نحو إخضاع الجماهير تمردت مدن القناة، فاستنجد مرسي بالجيش لتطبيق الطوارئ، إلا أن الأمر انقلب إلى فرح شعبي شارك فيه جنود الجيش نفسه، فثبت أن العيب في السياسات وليس في وسيلة "الضبط"، وثبت أيضاً ما يستدعي إعادة الموازين بين القوى السياسية، فقد سلم الجيش السلطة لمن يفترض أنه يتمتع بتأييد شعبي، أما وإنه يحتاج إلى استخدام الجيش كشرطة محلية، فذلك يتطلب إعادة تقييم الموازين بالكامل.

فيديو يبين استعدادات ميليشيا الجماعة لمهاجمة المتظاهرين
كم دورة من العنف شهدتها مصر تحت حكم محمد مرسي منذ إعلانه الدستوري المشئوم؟
لقد تآكل ما يمكن اعتباره رصيد مرسي وجماعته، وتآكلت سلطة الرئاسة، وهي كما سلطة مبارك الأصل الذي تستمد منه كل سلطات النظام شرعيتها، فلا برلمان يؤبه له، ولا حتى للقضاء مكانته الاعتبارية فوق الجميع، كون مرسي نفسه قد وضع نفسه وبرلمانه والجمعية التي كتبت دستوراً يناسب هوى تياره السياسي فوق القانون لفترة من الوقت، وعزز سلطته بإخضاع النائب العام له. لقد نزل مرسي بمكانة القضاء درجة عن تلك التي كان قد وصل إليها مبارك، ففقد القضاء الخصوصية التي ظل يحافظ على مسحة منها، حيث أفسح مبارك مساحة في القضاء لممارسة المعارضة والطعن على قرارت الرئيس والحكومة.
في ظل هذا التآكل الشديد في الرصيد تحاول الجماعة خصم شيء من رصيد المعارضة، بأن تشير إلى متهم بالشراكة معها في العنف، خاصة أن المعارضة السياسية تتمدد حزبياً، وتبني رصيداً ناشئاً يدرب الناخبين على التصويت لها في الأطر الانتخابية الأولية كمجالس الطلاب، والنقابات.
لا توجد معارضة سياسية رسمية متورطة في العنف، هي فقط ترفض سياسات الإخوان في الاستحواذ على مفاصل النظام السياسي الذي لا يريد أن يتشكل، لكنه يحتاج لعدة أطراف من أجل تشكيله. والإخوان بقيادتهم الحالية التي لاتزال تعيش تحت تأثير نشوة التمدد الجماهيري خلال عقدي الثمانينات والتسعينات، لا ترى في المعارضة سوى "نخبة" كما كانت تراهم في ذلك العقدين اللذين شهدا انحساراً لمفاهيم اليسار والليبرالية، واستسلاماً لفشل التحديث أصاب توجه نحو الدولة المدنية بالشلل وقتها.
اتهام المعارضة بممارسة العنف ملفق، واتهامها بأنها "تسكت عن العنف" وتوفر له غطاءً سياسياً مجرد خطاب طفولي، فليس دورها أن تدين ما يضايقك، وإنما تقديم سياسات بديلة.
لكن وسط كل الخسائر التي تسبب فيها مرسي لنفسه ولجماعته تمكن "العنف" من تنفير قدر من الناس من التظاهر.
سيكون تحدياً أمام المعارضة حشد الناس في "مليونية" قادمة، سيكون التحدي في صياغة هدف وغاية الاحتشاد، لا شك أنها لابد وأن تنطلق من التحرير، ولاشك أن احتشاد الجماهير هذه المرة بعد أن تعرى الغطاء الجماهيري للجماعة نتيجة إساءتها استخدامه له، وخياناتها لثقة الجماهير في لعب دور سياسي يحقق الاستقرار، سيكون لهذا الحشد ميزان جديد إذا ما واجه الديكتاتور الذي حقنته جماعته بالشر.